www.islamcvoice.com
موجز ويب تابعنا جديدناعلى تويتر مباشر مكة المكرمة مباشر المدينة المنورة إذاعة القرآن الكريم

حصار غزة

المقال
 

  اضافة للمفضلة

  الصفحة الرئيسية » المحاضرات المكتوبة » ناصر الاحمد

 اسم المادة : حصار غزة

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله: أما بعد أيها المسلمون: فإن مما لا يخفى على المسلمين في هذه الأيام، تلك الهجمة العنيفة الظالمة التي يتعرض لها إخواننا المسلمون من أهل قطاع غزة في فلسطين، وهي الحملة التي خَطط لها ورتب فصولها أعداء هذا الدين، من المحافظين الجدد، وساسة البيت الأبيض، بالتعاون مع إخوانهم الصهاينة المستعمرين لأرض فلسطين. فقد نشرت وكالات الأبناء قبل أحداث غزة الأخيرة العديد من التقارير التي تحدثت عن مخطط أمريكي صهيوني يهدف إلى عزل غزة عن بقية أرض فلسطين المحتلة، وممارسة الحصار عليها بشتى أنواعه وأشكاله، وتقسيم البلاد هناك إلى معسكرين أحدهما ينعم بالمساعدات الدولية وبالرخاء والأمن وعدم ملاحقة القاطنين فيه، والآخر يُحاصر ويمنع من المعونات ويعزل سياسياً، تمهيداً لتصفية حركات الجهاد ورجال المقاومة الشريفة الذين يرابطون في ذلك الثغر العظيم. ولم يعد هذا الأمر سراً، فها هي ذي طلائع تلك الحرب الظالمة قد بدت للعيان، وهاهم إخواننا من أهل غزة يشهدون الغارات تلو الغارات، ويمارس بحقهم أقسى أنواع العزل والحصار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وتخرج الطائرات الصهيونية لتغتال من تشاء من أبناء تلك البقعة المباركة، ويستمر مسلسل التجويع وقطع المعونات ومنع التعاملات المالية، حتى وصل الحال بإخواننا هناك إلى وضع مأساوي عظيم، إذ عُدمت الأغذية، وانقطعت الأدوية، وحل البلاء، ونزل الكرب، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، فهم في نازلة وضيق ليس لها من دون الله كاشفة.

أيها المسلمون: في غزة الآمنة الجميلة، يحيا المرضى فيها بؤساً وشقاءً كبيراً، فهم يعانون الأمرين جراء هذا الحصار الذي حرمهم من الحصول على أبسط حُقوقهم الآدمية التي كفلتها لهم كافة الشرائع والقوانين. فهم في انتظار الموت البطيء، والمتجول في مشافي قطاع غزة يقف على المعاناة الشديدة لهؤلاء المرضى الذين تقطعت بهم السبل، من أطفال ونساء وشيوخ، ومرضى السرطان ومرضى الفشل الكلوي، جميعهم حالهم يغني عن سؤالهم، وكل يوم يأملون الفرج القريب لكربهم وينتظرون حل أزمتهم المتفاقمة.

يتعرض القطاع لنقص شديد في الأدوية ومستلزمات المستشفيات وكذلك لنقص في الأغذية والمواد الأساسية. يوجد في قطاع غزة آلاف الطلاب المسجلين في الجامعات الخارجية وآخرون من أصحاب الحالات الإنسانية الذين منعهم الحصار من الالتحاق بدراستهم وأعمالهم وأسرهم. لقد أصيب القطاع الزراعي بدمار كامل بسبب عدم مقدرة المزارعين على تصدير منتجاتهم الزراعية، واستيراد البذور والأسمدة اللازمة، الأمر الذي كبد المزارعين خسائر تجاوزت قيمتها 50 مليون دولار. توقفت جميع المصانع والورش والمعامل عن العمل، بسبب عدم دخول المواد الخام اللازمة لتشغيلها، مما تسبب في بطالة (65.000) عامل كانوا يعملون بها. رجال الأعمال الفلسطينيون لهم بضائع محتجزة في الموانئ الإسرائيلية بقيمة مائة مليون دولار، وهي تلبي حاجات أساسية ومهمة لاستمرار وتسيير الحياة اليومية. وذلك كله يتم وسط صمت عربي مدهش وتأييد أمريكي حدوده مفتوحة لكل الممارسات.

إنّه حصار إرهابي مقرف، لا تزال تفرضه المؤسسة الاحتلالية الإسرائيلية وطواغيت البيت الأبيض على مليون ونصف مليون من أهلنا في قطاع غزّة الصابرة الصامدة. وسيبقى هذا الحصار وصمة عار أبدية لا تُمحى عن جبين المؤسسة الاحتلالية الإسرائيلية وعن جبين طواغيت البيت الأبيض وعن جبين المارقين والانتهازيين من المطبّلين والمزمّرين الذين باتوا يردّدون هتافات الذلّ والعار والخزي والمهانة تأييداً لهذا الحصار. وسيبقى هذا الحصار لطخة سوداء بحجم الجبل في جبين هيئة الأمم المتحدة التي باتت تستقوي على الضعفاء فتحتلّ أرضهم في السودان باسم حلّ مشكلة اللاجئين في دارفور، وتحتلّ أرضهم في الصومال باسم التصدّي لمد الإرهاب الإسلامي، وتحتلّ أرضهم في أفغانستان باسم محاربة قوى الشرّ، وتحتلّ أرضهم في العراق باسم تصدير الديمقراطية، ولكن هذا المخلوق الجبان والممسوخ الذي يطلقون عليه "هيئة الأمم المتحدة" لا يزال يخرس كل الخرس، ويصمت صمت القبور عن هذا الحصار الذي لا يزال جاثماً بمآسيه المتصاعدة وويلاته المتزايدة على مليون ونصف مليون مريض وجائع وعارٍ في غزّة. أين عضلاتك أيّها المخلوق المشوّه الذي يطلقون عليه هذا الاسم الذي بات أضخم من جسمه بملايين الملايين من المرات "هيئة الأمم المتحدة"؟. أين عضلاتك التي لا تزال تفتلها على المستضعفين في السودان ولبنان والصومال وأفغانستان والعراق؟. أين عضلاتك من الإرهاب الأمريكي في غزّة المحاصرة؟! أين عضلاتك من الاحتلال الإسرائيلي في غزّة المحتلّة، والضفّة المحتلّة، والقدس المحتلّة، والمسجد الأقصى المحتلّ؟!. وسيبقى هذا الحصار إكليل شوك يزهر النذالة والمهانة على رأس كل هيئة أو جمعية أو لجنة تدّعي لنفسها أنّها نصيرة حقوق الإنسان، ولكنّها لا تزال خرساء بكماء عمياء لا تقوى أن تنطق ببنت شفة حيال ما يقوم به شلّة طواغيت البيت الأبيض وجلاوزة الاحتلال الإسرائيلي في غزّة الذبيح، حيث الملايين على الجوع تنام، وعلى البرد تنام، وعلى المرض تنام، وعلى الدمع تنام، وعلى الألم تنام، وعلى الموت تنام. وسيبقى هذا الحصار جلباب ذلّ وعجز وعيب يحيط بكلّ مسلم من رأسه حتى أخمص قدميه، أيا كان وفي أي أرض يعيش، وتحت أي سماء يستظلّ، وأيّ منصب يتقلّد، وأي مسؤولية يدّعي حملها، إذا ظلّ هذا المسلم متفرجاً على مشهد الوجع والمأساة والمصيبة في غزّة المطاردة من قبل كل قوى الشرّ في كلّ العالم. إنّه حصار جزّار، إنّه حصار سفّاح، إنّه حصار وقح، إنّه حصار شره، بات يطمع باسم حبس الحليب عن أطفالهم، ومنع الدواء عن مرضاهم، ومصادرة الدفء من بيوتهم، وسلب النوم من عيونهم، وإعمال القصف على منازلهم، واستباحة حرق زرعهم وإهلاك ضرعهم، ومطاردة أحرارهم برصاص الأباتشي الأمريكي وقذائف الدبابات المجنونة، بات يطمع باسم كل هذه الأدوات الإجرامية أن يضغط على أهلنا ضغطاً بعد ضغط طامعاً كالمسعور أن يدفعهم للتخلّي عن خيارهم الانتخابي الذي صاغ لهم قبل سنتين عرساً في الضفّة الغربية وقطاع غزّة والقدس، شهد على نزاهته كلّ اللجان الدولية التي راقبت مجريات العملية الانتخابية من ألفها إلى يائها، وأفرز ذاك العرس الانتخابي يومها مجلس تشريع فلسطيني، ثمّ أفرز رئيس حكومة فلسطينية اسمه "اسماعيل هنية"، ثمّ أفرز حكومة وحدة وطنية معزّزة باتفاقية مكّة، ولكن ولأنّ ثمار هذا العرس الفلسطيني لم تأت وفق مواصفات ومقاسات الإرهاب الأمريكي والاحتلال الإسرائيلي، فقد باشرت ماما أمريكا ومدلّلها الاحتلال الإسرائيلي بفرض هذا الحصار الهستيري عقب الإعلان عن ثمار ذاك العرس الكبير.

ومع كل هذا فنقول:

يا أهل غزة: لستم وحدكم، فإخواننا في العراق وقبلهم أفغانستان بعد أن نكأ الأعداء جرحها من جديد، وكذلك الصومال والشيشان وكشمير والفلبين وغيرها من المناطق التي يتعرض فيها المسلمون للإبادة كما في البوسنة والهرسك وكوسوفا سابقاً، يُعانون كما تُعانون ويُجاهدون الأعداء بكل ما يستطيعون وقد قل الناصر والمعين.

يا أهل غزة: لستم وحدكم من يناله الألم، فإن كان عندكم شهداء فإن أعداءكم عندهم قتلى، وإن كان عندكم جرحى وأرامل وأيتام وخسائر فهم كذلك عندهم جرحى وأرامل وأيتام وخسائر، ولكن ما ننتظره ونرجوه لا ينتظرونه ولا يرجونه، قال الله تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُون).

يا أهل غزة: لستم وحدكم، فقد قال الله تعالى:(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُه) قال ابن كثير رحمه الله: أي: إن كنتم قد أصابتكم جراحٌ وقُتل منكم طائفةٌ، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس) أَيْ: نُدِيل عَلَيْكُمْ الْأَعْدَاء تَارَة وَإِنْ كَانَتْ لَكُمْ الْعَاقِبَة لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى (وَلِيَعْلَمَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذ مِنْكُمْ شُهَدَاء) يَعْنِي يُقْتَلُونَ فِي سَبِيله وَيَبْذُلُونَ مُهَجهمْ فِي مَرْضَاته. (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) أَيْ: يُكَفِّر عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبهمْ إِنْ كَانَتْ لَهُمْ ذُنُوب، وَإِلَّا رَفَعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتهمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ. (وَيَمْحَق الْكَافِرِين) أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفِرُوا بَغَوْا وَبَطَرُوا فَيَكُون ذَلِكَ سَبَب دَمَارهمْ وَهَلَاكهمْ وَمَحْقهمْ وَفَنَائِهِم.

يا أهل غزة: لستم وحدكم من أُوذي وعُذب وظُلم وسُجن في سبيل الله، تعالوا معي لننظر سوياً إلى خباب رضي الله عنه وهو يأتي لرسولنا صلى الله عليه وسلم ليشكوا له ما أصابه من أذى، فينقله صلى الله عليه وسلم ويذكره بحال إخوانه من الأمم قبلنا كيف كانوا يعذبون ويقتلون وهم ثابتون على دينهم، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رضي الله عنه قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا، قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" أخرجه البخاري.

يا أهل غزة: لستم وحدكم فالله معكم بعونه ونصره وتأييده لكم، قال الله تعالى: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم)، أَيْ: وَلَنْ يُحْبِطَهَا وَيُبْطِلهَا وَيَسْلُبكُمْ إِيَّاهَا بَلْ يُوفِّيكُمْ ثَوَابهَا وَلَا يُنْقِصُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا.

يا أهل غزة: لستم وحدكم ونحسبكم ممن لا تضره المخالفة والخذلان، كما قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" أخرجه أحمد.

يا أهل غزة:لستم وحدكم، ولن يسلمكم إخوانكم، وسيدفع الأعداء ثمن جرائمهم وحصارهم وظلمهم وطغيانهم، ولن تبقى الديار مسلوبة والحرمات منتهكة والمقدسات مدنسة، والعاقبة للمتقين، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين).

ولكنكم يا أهل غزة اليوم ووحدكم، من ينال شرف مقارعة أعداء الأنبياء، ووحدكم من يرابط في أرض الأنبياء، ووحدكم من يُحاصِر الحصار، ولأنتم أكبر الكِبار في زمن الصَغار، ووحدكم من يبدد وهم الكيان الصهيوني، ووحدكم من يصطاد أفاعيه، ووحدكم من يقهره، ووحدكم من يتمنى المجاهدون في كل مكان أن يكونوا معكم ليشاركوا في تحرير مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينالوا أجر الانتقام من قتلة الأنبياء.

أيها المسلمون: إن أهل غزة يحاصَرون اليوم من أجل دينهم وعقيدتهم. يحاصَرون لأنهم يطالبون بتحرير بيت المقدس من أيدي اليهود الغاصبين. يحاصرون لأنهم رفضوا التنازل عن المسجد الأقصى المبارك. يحاصرون لأنهم لم يرضوا بالتطبيع مع العدو الصهيوني. يحاصرون لأنهم حملوا المشروع الإسلامي على رؤسهم وفدوه بأرواحهم. يحاصرون لأنهم أصرّوا على بقاء عَلَمِ الجهاد مشرعاً إلى يوم القيامة لا يُنّكَّسُ أبداً. يحاصرون لأنهم يدافعون عن حرمات المسلمين ومقدرات الأمة. من أجل هذا كله يحاصَر أهل غزة اليوم، المستشفيات في خطر، ومعظم المصانع قد أقفلت أبوابها، والبطالة تزداد يومياً، والمشاكل الاجتماعية طَلَّتْ برأسها بقوة، والبضائع التموينية آخذة بالنفاد، ومصابو وجرحى الانتفاضة يئنون ولا يعالجَون، ولا يؤذن لهم بالسفر للعلاج، وطلاب الجامعات في الخارج محرومون من إكمال دراستهم، والكثير من الأسر قد فُرِّقَتْ بسبب إغلاق المعابر، والتجار يتساقطون واحداً تلو الآخر، حتى الحجاج سمع العالم بمأساتهم المريرة، ضُيّق عليهم قبل الحج ورفضوا خروجهم، وبعد ما يسر الله وفرّج عنهم وحجوا، حُبسوا على الحدود بعد عودتهم، وتحملوا الكثير، ومات بعض كبار السن والله المستعان، وحصلت تلك المؤامرة الدنيئة ممن يتظاهرون بأنهم يدافعون عن فلسطين وعن القدس، بمباركة من العم سام ومن دولة الصهاينة.

فنسأل الله عز وجل أن يرفع الضر والبلاء عن إخواننا في غزة، وأن يجعل لهم من كل هما فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، وأن يرد كيد الكائدين، ويدحر أعداء الدين أجمعين إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

بارك الله ...


الخطبة الثانية:

الحمد لله ...

أما بعد : أيها المسلمون : إن من أرقى جوانب العظمة في الدين الإسلامي الحنيف، ما اشتمل عليه من خصال التآزر والتناصر، وإغاثة الملهوف وإعانة الضعيف، وهي من أخص صفات نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن دلائل نبوته، فقد وصفته زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها بأنه يصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق، وبمثل هذه الصفات وصف ابن الدغنة أبا بكر الصديق رضي الله عنه. وحال إخوانكم اليوم في غزة وعموم أراضي فلسطين المحتلة حال عظيمة من البلاء، فقد مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، وأحاطت بهم الأمم من كل حدب وصوب، ورماهم الناس عن قوس واحدة، وما ذاك إلا لأنهم وقفوا في وجه المحتل الغاصب لأرضهم، وأرادوا نصرة دين الله ورفع راية الجهاد في سبيله، وإحياء هذه الفريضة الغائبة.

أيها المسلمون: إن من الواجب على المسلمين أن يتذكروا حال إخوانهم هناك، وأن ينصروهم نصراً مبيناً، بمد يد العون والمساعدة لهم، كلٌ بما تجود به نفسه، وإن من أعظم مصارف الصدقة والزكاة التصدق على أهل الثغور المرابطين في سبيل الله، والسعي في تفريج كرباتهم، والوقوف معهم في محنتهم، وهو ما نهيب بإخواننا المسلمين كافة أن يفعلوه، وأن لا يحقروا شيئاً من المعروف، وأن يتذكروا حال نبيهم صلى الله عليه سلم فإنه كان أجود الناس، فهذا من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، ألا وهو الجهاد بالمال، وقد قدمه الله تعالى في كتابه على الجهاد بالنفس، فهو لا يقوم إلا به. والدعم ليس مقصوراً على المال فحسب، بل يجب دعمهم سياسياً وإعلامياً، ونصرة قضاياهم، والتعريف بحقهم في المحافل والنوادي، والسعي الحثيث إلى رفع الظلم عنهم، وكشف ما دهمهم من البلاء، فبمثل هذه الأعمال الصالحة يُستدفع الشر والسوء، وتحل البركة وينتشر الخير، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

أيها المسلمون: إنَّ أهل الرباط في قطاع غزة باتوا اليوم يفكرون في قوت عيالهم، وطعام صغارهم، فأبواب الدنيا أغلقت في وجوههم، ومنافذ الخير ما عادت كما كانت، والهم يزداد، والمصيبة تكبر، والعبء عليهم يتسع، والصغار قبل الكبار، والجهلة قبل المتعلمين، يتساءلون: أين خوّاص الأمة وعوامّهم من قضيتنا؟ أين أهل العلم؟ أين الدعاة والعلماء؟ أين الذين نراهم عبر الفضائيات؟ أين الذين نقرأ لهم في الجرائد والمجلات؟ أين الذين يكتبون في الصحف صباح مساء؟ أين أصحاب الرأي والمشورة؟ أين أصحاب القلوب الرقيقة والأعين الدامعة؟ أين أصحاب الشهادات العليا؟ أين كل هؤلاء؟ وأين كل أولائك؟.

ألا يسمعون أنَّاتِ النساء الثكالى المقهورين، وصرخات المسلمين المعذبين، وصيحات المؤمنين المنكوبين؟ ألا يسمعون نداءات الأسرى، واستغاثات المعتقلين المظلومين؟ ألا يرون عبر فضائيات العالم كيف يُذْبَحُ الشعبُ المقهور وَيُجَوَّع؟ ألا يرون عبر شاشات التلفاز وصفحات الجرائد والمجلات كيف يُخَوَّفُ الشعبُ الأعزل وَيُرَوَّع؟.

فيا أيها المسلمون في كل مكان: قفوا لله وقفة صدق، وقوموا لله قومة رجل واحد، فَخَطُّ الدفاعِ الأول عن شرف وكرامة الأمة يُرَادُ له اليوم أن يستسلم وأن يرفع الراية البيضاء، يُرَادُ اليوم لأبناء أرض الإسراء والمعراج أن يرضخوا للإملاءات الصهيونية الأمريكية، يُرَادُ اليوم لأبناء بيت المقدس أن يتنازلوا عن المسجد الأقصى المبارك، يُرَادُ اليوم للشعب الذي صمد وصبر طوال50 عاماً وقدَّم الشهداء والجرحى والمصابين وكلَّ ما يملك، يُرَادُ له اليوم أن يبيعَ كرامتَهُ وأن يتنازلَ عن شرفه وعزة أمته!.

أيها المسلمون في كل مكان: اليوم يُسَاوَمُ أبناءُ قطاعِ غزةَ على دينهم وعقيدتهم ومبادئهم، عبرَ خطة محكمة في تمريرِ الموتِ لهم بالبطيء، من أجل أن ينسو أن لهم أرضاً محتلة مغتصبة، فيَمنعون عنهم مقومات الحياة، ويعطلون حركة الدنيا من خلال منعهم المواد التشغيلية أن تدخل إلى القطاع، ويغلقون عليهم المعابر ليعيشوا في سجن كبير اسمه قطاع غزة, ويشترك في هذه المأساة والمصيبة بعض أبناء شعبنا من الذين باعوا دينهم بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودة وكانوا في دينهم من الزاهدين، وما عاد الأمر خافياً فهم يُصَرِّحُونَ بذلك دونَ حَيَاء!.

أيها المسلمون: الإسْلامُ العَظِيمُ في قطاع غزة متمثلاً بأبنائه وحملة منهجه ومتبعي طريقه هو المستهدف، وهو المراد، وهو المبتغى من وراء كل ما يمكرون ويدبرون، فما تراكم تصنعون وتفعلون؟.

ومع كل هذا فالخير فيكم باقٍ، والأمل في نواصيكم معقود، فانفروا خفافاً وثقالاً من أجل دينكم وإخوانكم المظلومين. ولو لم يكن هؤلاء المحاصرون إخوة لنا في الدين، لوجب علينا نصرتهم من باب العدل، ورفع الظلم عنهم، فكيف وهم إخوة لنا في الدين، بل يقفون في الخندق الأول دفاعاً عن الأمة وعن مسجدها المسجد الأقصى المبارك، وضد أشد الناس عدواة لنا، الذين يساندهم ويقف معهم في تلك الحرب القذرة عُباد الصليب، ومن باع دينه وخان أمته وضيع الأمانة.

إن من حق إخواننا المرابطين في تلك الأرض المقدسة أن نمد لهم يد العون، وأن نقدم لهم كل ما نستطيع، فإنهم الحصن المتقدم الذي يقف في وجه أطماع الأعداء، فإن انهار لا قدر الله تتابعت الحصون من بعده.

كما أن الواجب على إخواننا في غزة خاصة وفي فلسطين عامة أن يصبروا على ما أصابهم في سبيل الله، وأن يلجأوا إلى الله بالتضرع، وإظهار الندم والفاقة بين يديه سبحانه، مع الإلحاح عليه في السؤال والطلب، والإكثار من الاستغفار والمناجاة، ليكشف عنهم ما أصابهم، ويصرف عنهم كيد عدوهم، وينصرهم على من بغى عليهم، ويمكن لهم في الأرض، ويحمي بيضتهم، ويحفظ بلادهم وديارهم. ونوصيهم أيضاً بتقوى الله تعالى في السر والعلن، وبالتوكل عليه سبحانه، فهما مفتاح التفريج، قال الله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدراً). كما نؤكد عليهم ضرورة اجتماع القلوب، والبعد عن أسباب الفرقة والتناحر، فهذا من أعظم أسباب النصر والتمكين، قال الله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين). ولا شك أن الصبر مفتاح الفرج، والنصر مع الصبر، فقد أوذي الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، فما وهنوا لما أصبهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، بل صبروا واحتسبوا، حتى أتاهم نصر الله.

أيها المسلمون: أخرج الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".

أحث نفسي وأحثكم جميعاً على صيام التاسع والعاشر من محرم، راجين من الله أن يكفر عنا سيئاتنا، وأن يستر عيوبنا، ...

اللهم ...

mas15 : اضيفت بواسطة
0 صوت

: 30-11-2008

: 2543

طباعة


 
 
جديد المقالات
 
نهاية حياتك - ناصر الاحمد
فتيات الفردوس - مشعل العتيبي
ستندم - مشعل العتيبي
دعاء المظلومين - ناصر الاحمد