www.islamcvoice.com
موجز ويب تابعنا جديدناعلى تويتر مباشر مكة المكرمة مباشر المدينة المنورة إذاعة القرآن الكريم

ثورة الزنج

المقال
 

  اضافة للمفضلة

  الصفحة الرئيسية » المحاضرات المكتوبة » ناصر الاحمد

 اسم المادة : ثورة الزنج

إن الحمد لله...
أما بعد: كانت الدولة العباسية دولة عريقة كبيرة، تولى العباسيون الخلافة بعد سقوط الدولة الأموية، وحكموا خمس مائة وأربعاً وعشرين سنة، وتعاقب على الدولة العباسية سبع وثلاثون خليفة، وخلال هذه الفترة الطويلة من الحكم فإن التاريخ سطر صحائف كثيرة من الوقائع والأحداث والانتصارات والهزائم والخلافات والثورات، وصفحات بيضاء وصفحات سوداء وغيرها، كتاريخ أي دولة أو أمة.
ومن الحوادث المهمة في تاريخ الدولة العباسية، والتي قد يجهل بعض تفاصيلها كثير من الناس وفيها الكثير والكثير من العبر والدروس، تلك الثورة التي كادت أن تعصف بالدولة الإسلامية وتسقطها، والتي استمرت لأكثر من أربعة عشر سنة، دخلت فيها الدولة في عشرات من الحروب والمعارك للقضاء عليها، وقتل خلالها أكثر من نصف مليون إنسان، واستنـزف أموالاً طائلة من ميزانية الدولة، هذه الثورة عرفت في التاريخ بـ "ثورة الزنج".
ما أسبابها؟ وكيف حدثت؟ وما نتائجها؟ وكيف انتهت؟ كل هذا وغيره سنعرفه من خلال هذه المحاضرة.
لقد توسع الخلفاء العباسيون في اتخاذ الجواري، وكان من أهم الشروط في الجارية عند الخليفة العباسي أن تكون شديدة الجمال، وهذه الجارية بعد أن تلد تصبح أم ولد، وقد يكون ابنها هو الخليفة في المستقبل بعد أبيه.
وتعجبون إذا أخبرتكم أن ثلاثة فقط من خلفاء الدولة العباسية كانت أمهاتهم من العرب، وأربع وثلاثون خليفة أمهاتهم جواري، إما من الترك أو الأرمن أو من أماكن أخرى، وهذا لا شك أن له تأثيراً سلبياً على الدولة، فالخليفة بتأثير أمه عليه -خصوصاً لو كان ضعيف الشخصية- يقرب أخواله ومن هم من قرابة أمه، فيكونون الوزراء والمستشارين وقواد الجيش.
فأتى حين من الدهر على دولة الخلافة العباسية كانت فيه خاضعة تماماً لنفوذ الأتراك الذين كانوا يمسكون بزمام الأمور، ويدبرون الدولة بقوتهم ونفوذهم، ويستبدون بالأمر دون الخلفاء العباسيين الذين أصبحوا في أيديهم كالدمى يحركونهم كما يشاءون، ومرت فترات أخرى كانت الدولة بيد البويهيين، وفترات بأيدي السلاجقة وهكذا.
وكان الخليفة "المأمون" أول من استعان بالأتراك واستخدمهم في دولته، ولكنهم كانوا تحت سيطرته وسلطانه لا تأثير لهم، ولا يملكون نفوذاً يذكر، ثم أكثر الخليفة "المعتصم" من الاستعانة بهم، وصاروا عنصراً أساسياً في جيشه.
ثم بدأ نفوذهم يتزايد في عهد الخليفة "الواثق"، وازداد حدة في عهد الخليفة "المتوكل"، فغلبت سيطرة العسكر الأتراك وقادتهم على أزِمّة الأمور في الدولة، واستأثروا بالعطاءات والإقطاعات، واستبدوا بسلطان الخلافة، حتى صاروا يولّون ويعزلون الخلفاء كما يريدون، بل ويسجنون ويسمّلون الأعين ويقتلون من لا يحقق مطامحهم ومطامعهم من الخلفاء العباسيين.
وأطلق المؤرخون على هذه الفترة التي علا فيه نفوذ الأتراك وسيطروا تماماً على مقاليد الأمور، بـ "عصر نفوذ الأتراك"، وهو يمتد إلى ما يزيد عن قرن من الزمان، تعاقب خلاله ثلاث عشرة خليفة.
ولقد حاول بعض الخلفاء أن يستردوا لمنصب الخلافة سلطانه، وأن يستندوا في معارضة القادة الأتراك إلى تأييد شعبي بمهادنة العلويين الثوار، وإقامة قدر من العدل والإنصاف بين الرعية، حاول ذلك الخليفة "المنتصر بالله"، و"المهتدي بالله"، ولكن الأتراك تخلصوا منهما بالسم والعزل والقتل.
وعندما سُدت سبل الإصلاح أمام الراغبين فيه أقبل الناس على الثورة، طريقاً لم يجدوا أمامهم سواه للتغيير، فكان أن قامت عدة حركات ثورية يقودها ثوّار علويون، فقامت ثورة في الكوفة بزعامة "يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين"، وقامت ثورة في طبرستان بقيادة "الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل"، وامتدت الثورة إلى جرجان، وثارت الري بزعامة "محمد بن جعفر بن الحسن" بهدف الانضمام إلى ثورة طبرستان، وثارت قزوين بقيادة "الحسن بن إسماعيل بن محمد".
على أن أخطر الثورات التي شهدها العصر العباسي كانت هي الثورة التي قادها بظاهر البصرة "علي بن محمد بن أحمد" والتي اشتهرت باسم "ثورة الزنج" هددت كيان الدولة العباسية أكثر مما هددها الأتراك، وكانت "ثورة الزنج" في عهد الخليفة "المعتمد على الله" أحمد بن جعفر المتوكل، الخليفة الخامس عشر من خلفاء الدولة العباسية، وقد زعم هذا الرجل أن اسمه "علي بن محمد بن أحمد" وأنه من آل علي بن أبي طالب ولم يكن صادقاً وإنما كان أجيراً من عبد القيس، واسمه "علي بن محمد بن عبد الرحيم" وأصله من قرى الري.
فما هي قصة الزنج؟.
الزنج هم: جماعات من العبيد السود كان العباسيون يأتون بهم من أفريقيا الشرقية للعمل في استصلاح الأراضي الواقعة بين مدينتي البصرة وواسط، وكان عددهم كبيراً جداً يُعدّون بالآلاف ويعملون في جماعات وكانوا يعيشون وضعاً سيئاً، ولا يتقاضون أجوراً يومية، وكانت تؤخر أجورهم، وكانوا لا يعطون كفايتهم من الطعام، واستغل أصحاب الأراضي هؤلاء الزنج أبشع استغلال، والدولة كانت تعلم ذلك.
وكانت البصرة أهم المدن في جنوب العراق، وكانت جنوب العراق مشحونة بالرقيق والعمال الفقراء الذين يعملون في مجاري المياه ومصابّها، ويقومون بكسح السباخ والأملاح الناشئين من مياه الخليج، وذلك تنقية للأرض وتطهيراً لها؛ كي تصبح صالحة ومعدة للزراعة، وكانوا ينهضون بعملهم الشاق هذا في ظروف عمل قاسية وغير إنسانية، تحت إشراف وكلاء غلاظ قساة، ولحساب ملاك الأرض من أشراف العرب ودهاقنة الفرس.
فشرع هذا الرجل "علي بن محمد" يدرس حالة هؤلاء الرقيق، ويسعى لضمهم لثورته كي يحررهم بزعمه ويحارب بهم الدولة العباسية، وكان أول زنجي انضم إليه هو "ريحان بن صالح"، الذي أصبح من قادة الحرب والثورة، وأخذ "علي بن محمد" ينتقل مع قادة ثورته بين مواقع عمل هؤلاء الرقيق ويدعوهم إلى الهرب إلى معسكره وترك الخضوع لسادتهم، فاستجابت لدعوته جماهير غفيرة من الزنج، ولقد فشل وكلاء الزنوج في الحيلولة بينهم وبين الالتحاق بمعسكر الثائرين، فكانوا يحبسونهم في البيوت ويسدون أبوابها ومنافذها بالطين، ولكن دون فائدة!.
ولقد أعلن "علي بن محمد" أن هدفه تحرير الرقيق من العبودية وتحويلهم إلى سادة لأنفسهم، وإعطاؤهم حق امتلاك الأموال والضياع، بل ومنّاهم بامتلاك سادة الأمس الذين كانوا يسترقونهم، وضمان المساواة التامة بينهم، وزاد من اطمئنان الزنج للثورة ما أعلنه قائدها من أنه لم يثر لغرض من أغراض الدنيا وإنما غضباً لله، ولِِِمَا رأى عليه الناس من الفساد، وعاهدهم على أن يكون في الحرب بينهم بل قال لهم: "ليحط بي جماعة منكم، فإن أحسوا مني غدراً قتلوني!".
وبهذه الثقة تكاثر الزنج في صفوف الثورة وفي كتائب جيشها، بل وانضمت إليها الوحدات الزنجية من جيش الدولة، فاستغل "علي بن محمد" هذه الأوضاع وكان رجلاً طموحاً مغامراً فنجح في استمالة الزنج إليه، مستغلاً أوضاعهم السيئة، فمنّاهم بالتحرر من العبودية، وتمكينهم من الوصول إلى السلطة، ثم اشتط في دعوته فادَّعى صفات النبوة، وأعلن أنه مرسل من الله لإنقاذ العبيد البائسين، وانتحل كذباً نسباً إلى آل البيت، وكان يدعي أنه يحفظ سوراً من القرآن في ساعة واحدة جرى بها لسانه لا يحفظها غيره في مدة دهر طويل، وزعم أنه فكر يوماً وهو في البادية إلى أي بلد يسير فخوطب من سحابة أن يقصد البصرة فقصدها، وكان يزعم –أيضاً- أنه يعلم ما في ضمائر أصحابه، وأن الله يعلمه بذلك، فتبعه على ذلك جهلة من الطغام وطائفة من الرعاع العوام، ونجح في فترة قصيرة من أن يسيطر على البصرة وما حولها بعد نجاحه في هزيمة جيش الدولة، ولم يكن مع هذا الخارجي في أول أمره سوى ثلاثة أسياف وأولئك الجيش معهم عدد وعُدد ولبوس، ومع هذا هَزم أصحاب هذا الخارجي ذلك الجيش وكانوا أربعة آلاف مقاتل، ثم مضى نحو البصرة بمن معه فأهدى له رجل فرساً فلم يجد لها سرجاً ولا لجاماً، ثم صادف رجلاً وتهدده بالقتل فأخذ منه مائةً وخمسين ديناراً وألف درهم، وكان هذا أول مال نهبه من هذه البلاد، وأخذ من آخر ثلاثة براذين، ومن موضع آخر شيئاً من الأسلحة والأمتعة ثم سار في جيش قليل السلاح والخيول، ثم جرت بينه وبين نائب البصرة وقعات متعددة يهزمهم فيها وصار يقوى أمره ويزداد أصحابه ويكثر جيشه، ثم امتد نفوذه ليشمل الأهواز وعبدان وواسط، وكانت سياسته تجنح إلى العنف والإرهاب وإراقة الدماء، فدمر المدن التي احتلها، وأباد كثيراً من أهلها وعاث فيها فساداً، والذي فعله بالبصرة أمر يندى له الجبين، حيث ذكر المؤرخون أن الزنج دخلوا البصرة ليلة الرابع عشر من شوال سنة: 257هـ وكان أهلها قد أصابهم الرعب والخوف بسبب ما كانوا يسمعون من أعمال هؤلاء الزنج الحاقدين، فغادرت البصرة أعدادٌ كبيرة من أهلها، واتجهوا إلى عدة جهات وتركوا دورهم ومزارعهم، ولما دخل الزنج المدينة هدّموا دورها وأحرقوها، وأحرقوا جامع البصرة، وقتلوا أكثر من 300 ألف إنسان بالبصرة وحدها، وأسروا عدداً كبيراً من النساء والأطفال، ثم نادى قائدهم "إبراهيم المهلبي" بالأمان لأهلها فصدّقوه، فاجتمع منهم عدد كبير فلما رآهم أمر بقتلهم فأبيدوا جميعاً ولم يفلت منهم إلا الشاذ، فكان لا يُسمع إلا قول "أشهد أن لا إله إلا الله" من أولئك المقتولين، وصراخ وضحك الزنج عند ضربهم للناس بالسيوف، وظلوا يفعلون ذلك بالبصرة عدة أيام نحسات، وهرب الناس منهم كل مهرب، وحرقوا الزروع والكلأ من الجبل إلى الجبل، فكانت النار تحرق ما وجدت من شيء من إنسان وحيوان وزرع وبيت وغير ذلك، وقتلوا جماعة كثيرة من الأعيان والعلماء والمحدثين والفضلاء والأدباء فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما وقع ما وقع من الزنج بأهل البصرة قال هذا الخبيث لمن معه: "إني صبيحة ذلك اليوم دعوت الله على أهل البصرة فرُفعت لي البصرة بين السماء والأرض، ورأيت أهلها يُقتلون ورأيت الملائكة تقاتل مع أصحابي، وإني لمنصور على الناس، والملائكة تقاتل معي وتثبّت جيوشي ويؤيدوني في حروبي"، فقبح الله هذا اللعين ما أكذبه وأفجره وأغدره، وكانت هذه الواقعة إيذاناً باندلاع الثورة الشاملة للزنج وظهور قوتهم بشكل علني وقوي ضد الخلافة العباسية.
وفي عام:260هـ دخل الزنج الكوفة، وقتلوا واليها وفعلوا فيها مثلما فعلوا بالبصرة، ثم دخلوا الأهواز فقتلوا وسبوا وسلبوا وانتهبوا ما شاؤوا ثم أحرقوا الدور، وهذه كانت سياستهم وطريقتهم في كل بلد يدخلونها القتل والحرق والإبادة والسلب والنهب وانتهاك الأعراض وأسر النساء والأطفال.
لقد كانت سنوات كالحات مرت على الدولة العباسية، وبسبب أعمال الزنج تجرَّأ الروم وصاروا يغزون أطراف الدولة الشمالية، واستقل الطولونيون بمصر وصاروا يحاربونها من الغرب.
وفي عشرات المعارك التي وقعت بين الدولة العباسية وبين ثورة الزنج، كان النصر غالباً للزنوج على الدولة، وتأسست كثمرة لهذه الانتصارات لثورة الزنج دولة مستقلة قامت فيها سلطتها وطبقت بها أهدافها، ولقد بلغت دولة الزنج الجديدة التي أقاموها درجة من القوة فاقت بها كل ما عرفته الخلافة العباسية قبلها من أخطار وثورات، والمؤرخون الذين كانت الدنيا عندهم هي الامبراطورية العباسية، قالوا: إن الزنج قد اقتسموا الدنيا واجتمع إليهم من الناس ما لا ينتهي العد والحصر إليه! وكان عمّال الدولة الجديدة يجمعون لـ "علي بن محمد" الخراج على عادة السلطان، حتى لقد خيف على ملك بني العباس أن يذهب وينقرض.
ولقد أقام هؤلاء الثوار لدولتهم عاصمة، سموها "المختارة"، أنشؤوها في منطقة تتخللها فروع الأنهار، كما أنشؤوا عدة مدن أخرى وضمت دولتهم مدناً وقرى ومناطق كثيرة مثل: البحرين والبصرة والأهواز والقادسية وواسط والمنصورة والمنيعة وعبدان وأغلب سواد العراق.
واستمرت الحرب بين دولة الزنج وبين الخلافة العباسية لأكثر من أربعة عشر عاماً بلغ العنف فيها من الجانبين حداً لم يسبق له مثيل، حتى قال المؤرخون الذين يتواضعون بأرقام القتلى في هذا الصراع بأنهم بلغوا نصف مليون قتيل!، ولقد ألقت الخلافة العباسية بكل ثقلها في المعركة ضد الثورة، وكرّست كل إمكاناتها للجيش والقتال.
ذكرنا أن هذه الثورة بدأت في عهد الخليفة "المعتمد على الله"، وظهرت دعوة جادة إلى إخماد هذه الفتنة، وإعادة سلطان الخليفة العباسي إلى ما كان عليه، وساعده على ذلك أنه استعان بأخيه "الموفق" الذي ولاّه قيادة الجيش، وكان "الموفق" يتمتع بشخصية قوية ومقدرة عسكرية ممتازة وهمّة عالية وعزيمة لا تلين، فسيطر على زمام الأمور السياسية والإدارية، حتى صار الخليفة لا سلطان له أمام نفوذ أخيه، فكان للمعتمد الخطبة والتسمي بأمير المؤمنين، ولأخيه الأمر والنهي وقيادة العسكر ومحاربة الأعداء ومرابطة الثغور وترتيب الوزراء والأمراء.
وفي سنة 258هـ خرج "الموفق" في جيش كثيف في عدد وعُدد فاقتتلوا هم والزنج قتالاً شديداً، وفيها أسر "يحي بن محمد البحراني" أحد أمراء الزنج الكبار وحمل إلى سامراء فضرب بين يدي المعتمد مائتي سوط ثم قطعت يداه ورجلاه من خلاف ثم أخذ بالسيوف ثم ذبح ثم أحرق.
ولما بلغ خبره صاحب الزنج "علي بن محمد" أسف عليه ثم قال: "لقد خوطبت فيه فقيل لي: قتله كان خيراً لك؛ لأنه كان يخفي من المغانم خيارها"، ثم قال لأصحابه: "لقد عرضت عليّ النبوة فخفت أن لا أقوم بأعبائها فلم أقبلها".
وبعدها أسر أيضاً "سعيد بن أحمد الباهلي" من رجالات الزنج فجيء به أمام الخليفة وضرب سبعمائة سوط حتى مات ثم صلب.
وفي السنة التالية: 259هـ خرج بالمسلمين أحد القواد يسمى "عبد الرحمن بن مفلح" فهزم جيش الزنج وقتل منهم خلقاً كثيراً وأسر طائفة كبيرة منهم وأرعبهم رعباً عظيماً لم يتجاسروا على ملاقاته مرة أخرى.
واستمرت المعارك بين الزنج و"الموفق" لسنوات حتى دخلت سنة: 267هـ فأرسل "الموفق" ولده "أبا العباس" على جيش يقدر بنحو عشرة آلاف فارس وراجل في أحسن هيئة لقتال الزنج فحصل بينهم معارك طاحنة استرجع خلالها "أبا العباس" بلاد واسط وأراضي دجلة من أيدي الزنج.
وفي شهر صفر من هذه السنة سار "الموفق" بنفسه في جيوش كثيفة فدخل واسط في ربيع الأول منها فتلقاه ابنه فسار "الموفق" بجميع الجيوش إلى صاحب الزنج وهو بالمدينة التي أنشأها وسماها "المنيعة" فقاتل الزنج دونها قتالاً شديداً فقهرهم "الموفق" ودخلها عنوة وهربوا منها، فبعث في آثارهم جيشاً فلحقوهم إلى البطائح يقتلون ويأسرون وغنِم من "المنيعة" أموالاً طائلة، واستنقذ من النساء المسلمات خمسة آلاف امرأة مسلمة كانت بيد الزنج وأمر بارسالهن إلى أهاليهن بواسط، وأمر بهدم سور البلد وبطم خندقها وجعلها بلقعاً بعد ما كانت للشر مجمعاً.
تخيلوا خمسة آلاف امرأة مسلمة بأيدي الزنج في مدينة واحدة من مدنهم.
ثم سار "الموفق" إلى بلدة صاحب الزنج الثانية واسمها "المنصورة" وبها "سليمان بن جامع" قائد الزنج، فحاصروها وقاتلوه دونها فقتل خلق كثير من الفريقين، ورمى "أبو العباس بن الموفق" بسهم "أحمد بن هندي" أحد أمراء الزنج فأصابه في دماغه فقتله، وكان من أكابر أمراء صاحب الزنج، وأصبح المسلمون محاصِرِين مدينة الزنج والجيوش الموفقية مرتبة أحسن ترتيب، فتقدم "الموفق" فصلى أربع ركعات وابتهل إلى الله في الدعاء، واجتهد في حصارها فهزم الله مقاتلتها، وانتهى إلى خندقها فإذا هو قد حصِّن غاية التحصين وإذا هم قد جعلوا حول البلد خمسة خنادق وخمسة أسوار، فجعل كلما جاوز سوراً قاتلوه دون الآخر فيقهرهم ويجوز إلى الذي يليه، حتى انتهى إلى البلد فقتل منهم خلقاً كثيراً وهرب بقيتهم، واستنقذ من "المنصورة" من بأيديهم من النساء المسلمات والصبيان من أهل البصرة والكوفة نحواً من عشرة آلاف نسمة، فسيرهم إلى أهليهم -جزاه الله خيرا-، ثم أمر بردم خنادقها وهدم أسوارها وأقام بها سبعة عشر يوماً وبعث في آثار من انهزم منهم وهرب صاحب الزنج إلى عاصمته "المختارة"، وكان "الموفق" يدعو الزنج إلى الرجوع إلى الحق والتوبة ويبذل لهم الأمان لمن عاد، ومن أبى قتله.
وبعدما هرب "علي بن محمد" وجه "الموفق" له كتاباً يدعوه فيه إلى التوبة والرجوع عما ارتكبه من منكرات ومحارم ودعوى النبوة، وبذل له الأمان، فلم يرد عليه إهانة واستخفافاً به، فركب "الموفق" من فوره وسار على رأس خمسين ألفاً نحو عاصمة دولة الزنج "المختارة" فلما انتهى إليها وجدها في غاية الإحكام وقد حوّط عليها من آلات الحصار شيئاً كثيراً، وقد التف على صاحب الزنج نحو ثلاثمائة ألف مقاتل بسيف ورمح ومقلاع يحمونه ويدافعون عنه، فقدم "الموفق" ولده "أبا العباس" بين يديه فقاتل قتال الأبطال وتعجب الزنج من إقدامه وجرأته ثم تراكمت الزنج عليه من كل مكان فهزمهم.
وفي النصف من شعبان من تلك السنة: 267هـ نادى "الموفق" في الناس كلهم بالأمان إلا صاحب الزنج "علي بن محمد" فتحول خلق كثير من جيش صاحب الزنج إلى "الموفق" وبلغ عددُ من تحول قريباً من خمسين ألفاً من الأمراء والخواص والأجناد.
وبنى "الموفق" مدينة بإزاء "المختارة" سماها "الموفقية" نسبة إليه، وجعلها معسكراً دائماً له ولجيشه وأمر بحمل الأمتعة والتجارات إليها فاجتمع بها من أنواع الأشياء وصنوفها ما لم يجتمع في بلد قبلها، وفي الوقت نفسه ضرب حصاراً اقتصادياً على "المختارة"، لمنع وصول المؤن إليها، ثم جرت بينهم حروب عظيمة، وما زالت الحرب ناشبة حتى انسلخت هذه السنة وهم محاصرون لصاحب الزنج، فهرب "علي بن محمد" إلى مدينة أخرى فتحصن بها.
ثم دخلت سنة: 268هـ وفي المحرم منها تاب واستأمن أحد أكابر صاحب الزنج "جعفر بن إبراهيم" المعروف بالسجّان، فأمّنه "الموفق" فقام "جعفر" هذا ونادى في الناس وأعلمهم بكذب صاحب الزنج وفجوره فرجع بسبب ذلك بشر كثير منهم، وبرد قتال الزنج حتى ربيع الآخر، عندها أمر "الموفق" أصحابه بمحاصرة سور المدينة وأمرهم ألا يدخلوا البلد حتى يأمرهم، فنقبوا السور حتى انثلم ثم تعجلوا ودخلوا المدينة فلما كانوا في وسطها جاءتهم الزنج من كل جانب وخرجت عليهم الكمائن من أماكن لا يهتدون لها فقتلوا من المسلمين خلقاً كثيراً واستلبوهم، وفر الباقون فلامهم "الموفق" على مخالفته وعلى العجلة، وأجرى الأرزاق على ذرية من قتل منهم، وظفر "أبو العباس بن الموفق" بجماعة كانوا يجلبون الطعام إلى الزنج فقتلهم وظفر -أيضاً- بـ "بهبوذ بن عبد الله" من رجالات الزنج فقتله، وكان ذلك من أكبر الفتح عند المسلمين وأعظم الرزايا عند الزنج، وانتهت هذه السنة على هذه الحال.
فدخلت سنة: 269هـ واجتهد فيها "الموفق" في تخريب مدينة صاحب الزنج فخرّب منها شيئاً كثيراً وتمكن من العبور إلى البلد ولكن جاءه في هذه الأثناء سهم في صدره من يد رجل رومي يسمى "قرطاس" فكاد أن يقتله، فاضطرب الحال لذلك، وهو يتصبر ويحض على القتال، فنقلوه إلى بلده "الموفقية" أياماً يتداوى فاضطربت الأحوال وخاف الناس من صاحب الزنج وأشاروا على "الموفق" بالمسير إلى "بغداد" فلم يقبل، ثم منّ الله عليه بالعافية في شعبان من تلك السنة ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً فنهض مسرعاً إلى الحصار فوجد صاحب الزنج قد رمم كثيراً مما كان قد خربه وهدمه، فأمر بتخريبه وما حوله وما قرب منه، فما زال حتى فتح الناحية الغربية من المدينة فدخلها وأخذ من أموالهم شيئاً كثيراً واستنقذ من نساء المسلمين وصبيانهم خلقاً كثيراً فأمر بردهم إلى أهاليهم مكرمين، وقد تحول صاحب الزنج إلى الناحية الشرقية وعمل الجسر والقناطر الحائلة بينه وبين وصول المسلمين إليه، فأمر "الموفق" بتخريبها وقطع الجسور، واستمر الحصار بقية هذه السنة، وفر صاحب الزنج وترك حلائله وأولاده وحواصله فأخذها "الموفق".
ثم دخلت سنة: 270هـ، وفيها كان مقتل صاحب الزنج "علي بن محمد" -قبحه الله- وذلك أن "الموفق" لما فرغ من شأن مدينة صاحب الزنج "المختارة" واحتاز ما كان بها من الأموال وقتل من كان بها من الرجال وهرب صاحب الزنج إلى بعض البلاد طريداً شريداً بشر حال، ركب "الموفق" في الجيوش الإسلامية الكثيفة وراءه، فقصدوا الخبيث، -وقد تحصن ببلدة أخرى- فلم يزل به محاصراً له، حتى أخرجه منها ذليلاً، واستحوذ على ما كان بها من الأموال والمغانم، ثم بعث السرايا والجيوش وراءه فأسروا عامة من كان معه من خاصته وجماعته منهم "سليمان بن جامع"، فاستبشر الناس بأسره وكبروا الله وحمدوه فرحاً بالنصر والفتح، وحمل "الموفق" بمن معه حملة واحدة على أصحاب الخبيث فاستحرَّ فيهم القتل، وما انجلت الحرب حتى جاء البشير بقتل صاحب الزنج "علي بن محمد" وأتي برأسه فلما تحقق "الموفق" أنه رأسه بشهادة الأمراء الذين كانوا معه من أصحابه خرّ ساجداً لله، ثم انكفأ راجعاً إلى "الموفقية" ورأس الخبيث يحمل بين يديه، و"سليمان" معه أسير، فدخل البلد وهو كذلك وكان يوماً مشهوداً وفرح المسلمون بذلك في المشارق والمغارب، وهرب "قرطاس" الذي رمى "الموفق" بصدره فقبض عليه وجيء به مأسوراً فقتله "أبو العباس بن الموفق".
ثم استتاب "الموفق" من بقي من أصحاب صاحب الزنج وأمّنهم، ثم نادى في الناس بالأمان وأن يرجع كل من كان أخرج من دياره بسبب الزنج إلى أوطانهم وبلدانهم وأصدر بياناً أعلن فيه انتهاء الاضطرابات والفوضى بعد حرب دامت أكثر من أربع عشرة سنة.
وقد كان ظهوره في يوم الأربعاء لأربع بقين من رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، وكان هلاكه يوم السبت لليلتين خلتا من شهر صفر سنة سبعين ومائتين، وكانت دولته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، ولله الحمد والمنة.
وقد قيل في انقضاء دولة الزنج وما كان من النصر عليهم أشعار كثيرة، من ذلك قول "يحي بن محمد الأسلمي":

أقول وقد جاء البشير بوقعةٍ *** أعزت من الإسلام ما كان واهيا
جزى الله خير الناس للناس بعد ما *** أبيح حماهم خير ما كان جازيا
تفرّد إذ لم ينصرِ الله ناصرٌ *** بتجديد دينٍ كان أصبح باليا
وتشديد ملكٍ قد وهى بعد عزه *** وأخذٌ بثاراتٍ تبير الأعاديا
وردُ عمارات أزيلت وأخربت *** ليرجع فيئٌ قد تخرم وافيا
وترجع أمصارٌ أبيحت وأحرقت *** مراراً وقد أمست قواءً عوافيا
ويشفي صدور المسلمين بوقعة *** تقرُ بها منا العيون البواكيا
فأعرض عن أحبابه ونعيمه *** وعن لذة الدنيا وأصبح غازيا

وهكذا نجحت الخلافة العباسية وهي تمر بمرحلة عصيبة في تاريخها من القضاء على حركة عنيفة جداً، مما يدل على ما تضمه الدولة من إمكانات كامنة في مؤسسة الحكم يُمكن أن تُستغل إذا وَجدت الخليفة المناسب.
وأخيراً: لماذا ظهرت ثورة الزنج؟. ظهرت ثورة الزنج لأسباب منها:
أولاً: اختلاف بني العمومة على السلطة: إن هذا الخلاف يولد نشوء فرق وثورات وحركات تَستغل هذا الخلاف وتطمح في السلطة، فلما اختلف بنو العباس مع أبناء عمومتهم من أبناء أبي طالب، وانفرد بنو العباس بالحكم وحدهم بل وأزاحوا أبناء أبي طالب من وجههم بل ومن جانبهم، هذا الأمر جعل أبناء أبي طالب يحقدون على بني العباس وينازعونهم الأمر، ويعملون على تشويه سمعتهم وتاريخهم، وتحت هذا المظهر قامت حركة الزنج في جنوب العراق، وعليه قامت القرامطة والنصيرية والإسماعيلية والحمدانيون، ثم قامت الدولة العبيدية الفاطمية ومنها نشأ الدروز.
ثانياً: سيطرة الجند على مقاليد الحكم: من المعلوم أن الجند إذا أعطوا الحكم استأثروا وتفردوا واستبدوا وطغوا وظلموا، والجند إنما وجدوا للقتال، فهؤلاء الجند عندما سيطروا على الدولة العباسية أضعفوا أمرها وكانوا سبباً في متاعبها فظهرت حركة الزنج على إثرها، وما من مرة حكم الجند في أي عصر كانوا إلا وتأخرت البلاد وتلا حكمهم التراجع والقلاقل.
ثالثاً: الترف: فمن المعلوم أن الترف انصراف عن المهمة الرئيسة للإنسان واتجاه نحو الملذات وجمع المال والتفاخر بالملك ومن ثم انشغال عنها، فيستغل هذا الوضع بعض المتربصين، وهذا ما فعله الزنج.
والترف ما ذكر أبداً بخير، وقد ذكر الترف في ثمانية مواضع في كتاب الله تنصبّ كلها على الكافرين والمجرمين والفاسقين يقول الله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ}
[(116) سورة هود]. وقال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [(16) سورة الإسراء]. وقال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [(33) سورة المؤمنون] وقال تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [(45) سورة الواقعة]. ومآل الترف إلى الفساد وضياع السلطة وظهور الحركات وقيام الثروات ثم انهيار الدولة وزوال الأمة.
وقد زال الأمويون عندما أصابهم الترف، ودالت دولة بني العباس عندما حل فيها الترف، وسقطت الأندلس بيد النصارى وضاعت نهائياً بعد أن انصرف السكان إلى الترف، فهل نعي هذا الدرس من التاريخ؟.
رابعاً: من الأسباب التي جعلت هذا الرجل بالذات يقوم بهذه الثورة: أنه كان واحداً من المقربين إلى الخليفة "المنتصر بالله"، ولما قَتل الأتراكُ "المنتصرَ" بالسمِّ، ومارسوا السجن والنفي والاعتقال والاضطهاد لحاشيته، كان "علي بن محمد" ضمن المعتقلين، فلاقى ما لاقى في السجن من الظلم والاضطهاد، فنقم على هذا الوضع وقرر الانتقام، فهرب من السجن وغادر بغداد إلى "سامراء" ومنها إلى البحرين حيث دعا إلى الثورة ضد الدولة العباسية الواقعة تحت سيطرة الجند الأتراك.
وهذا لا يعني تبرير ما قام به من أعمال بل وانحرافه العقدي، وإنما هو تفسير لمواقفه التي لا يقر عليها.
وعلى الرغم من المشكلات الضخمة التي ألمّت بالدولة العباسية فإن هذه الفترة تُعدّ من أخصب فترات التاريخ الإسلامي في عطائها الحضاري وثرائها الفكري، ولم تكن هذه السنوات الأربعة عشر كلها سنوات مظلمة، ويكفي أن نعلم أن هذه الفترة شهدت تألق عمدة المحدثين وسيد الحفاظ الإمام "البخاري" -رحمه الله- صاحب الجامع الصحيح، أصح كتب السنة، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من أعلام المحدثين من أمثال: الإمام مسلم النيسابوري وابن ماجه وأبو داود والترمذي وغيرهم.
وشهد هذا العصر تألقَ عدد كبير من النابهين في اللغة والأدب والشعر، أمثال ابن قتيبة. ولمع في مجال الشعر كوكبة من أعظم شعراء العربية مثل البحتري وابن الرومي، ونشطت حركة التأليف التاريخي، وتألق عدد من كبار المؤرخين كابن قتيبة واليعقوبي والبلاذري، كما حظيت العلوم الطبية والرياضية والفلكية والطبيعية بنصيب وافر من العناية والدراسة.
والحمد لله أولاً وآخراً...

المصدر موقع الشيخ ناصر الأحمد حفظه الله

mas15 : اضيفت بواسطة
3 صوت

: 08-05-2009

: 7547

طباعة


 
 
جديد المقالات
 
نهاية حياتك - ناصر الاحمد
فتيات الفردوس - مشعل العتيبي
ستندم - مشعل العتيبي
دعاء المظلومين - ناصر الاحمد