www.islamcvoice.com
موجز ويب تابعنا جديدناعلى تويتر مباشر مكة المكرمة مباشر المدينة المنورة إذاعة القرآن الكريم

معاوية بن أبي سفيان

المقال
 

  اضافة للمفضلة

  الصفحة الرئيسية » المحاضرات المكتوبة » ناصر الاحمد

 اسم المادة : معاوية بن أبي سفيان

إن الحمد لله...
لا أظن أن شخصية في تاريخنا الإسلامي ومن الرعيل الأول من الصحابة الذين تربوا على يد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعاشوا وحي السماء، قد نالها من التشويه والدس والافتراء ما نال معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-.
وصورة معاوية في أذهان الناس أنه طالب سلطة وسياسي بارع ونهّاز للفرص، لا يرعوي عن شيء في سبيل الوصول إلى الحكم، صارع من أجل السلطة وسعى إلى قتل عشرات الألوف من الناس؛ لكي يصل إلى الخلافة، ولا شك أن هذه الصورة غير صحيحة، فكان لا بد من الحديث عن الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-.
إن شخصية معاوية -رضي الله عنه- شخصية عملاقة فذة في الحكم والإدارة والسياسة، وقد شهد له التاريخ بذلك، فقد ورد على لسان ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "ما رأيت بعد رسول الله أسْوَدَ من معاوية" أي في السيادة. قيل له: ولا أبو بكر وعمر؟ فقال: "كان أبو بكر وعمر خيراً منه، وما رأيت بعد رسول الله أسود من معاوية".
قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((يا معاوية إن وليت أمراً فاتق الله واعدل))، فقال معاوية: فوقر في نفسي منذ تلك اللحظة أني سألي أمر هذه الأمة، فما زلت أظن أني سأبتلى بالحكم.
قال المدائني: عن صالح بن كيسان قال: رأى بعض متفرسي العرب معاوية وهو صغير، فقال: إني لأظن هذا الغلام سيسود قومه، فقالت هند -أم معاوية- "ثَكِلْتُهُ إن كان لا يسود إلاّ قومه".
وقال أيضاً: "كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب". وقال عمر: "تعجبون من دهاء هرقل وكسرى وتدعون معاوية".
قال الإمام الذهبي -رحمه الله-: "حسبك بمن يُؤمّر عمر ثم عثمان على إقليم فيضبطه، ويقوم به أتمّ قيام، ويَرضى الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم قد تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك". وقال أيضاً: "ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم، وما هو ببريء من الهَنَات، والله يعفو عنه".
ولولا مكانته عند عمر -رضي الله عنهما- ما جعله خلفاً لأخيه يزيد بعد موته بالشام، فكان في الشام أميراً عشرين سنة، وملكاً عشرين سنة.
عن قبيصة بن جابر قال: صحبت معاوية فما رأيت رجلاً أثقل حلماً، ولا أبطأ جهلاً، ولا أبعد أناةً منه. وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب)).
تربى معاوية ونشأ في بداية حياته في بيت محارب للدعوة الإسلامية وكاره للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وبعد غزوة بدر نما الحقد على الإسلام ورسوله، وتمكن في بيت أبي سفيان، وحزن معاوية لمقتل جدّه عتبة ولمقتل خاله الوليد وأخيه حنظله، وزاد من حزنه شدة وجد أمه هند عليهم، ومضت سنوات ومعاوية يعيش في هذا البيت الذي نصب العداء شديداً للإسلام، واحتوت ذاكرته صوراً ومشاهد كثيرة عن تلك الفترة، لكن مشهداً منها هزّ كيانه كله وحفر في ذاكرته، هذا المشهد هو مقتل خُبيب بن عدي -رضي الله عنه- في مكة، وقد أخذ أسيراً يوم الرجيع.
كان أبو سفيان في مقدمة من شهد مصرع خبيب، وكان معاوية ابنه واقفاً بجواره، وعندما قال خبيب ضارعاً إلى ربه: "اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً"، سرعان ما رأى أباه يهوي به إلى الأرض خوفاً من دعوة خبيب!
يقول معاوية: حضرت مقتل خبيب يومئذ فيمن حضره مع أبي، فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فرقاً من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دُعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه.
كان لهذا الموقف أثر كبير في نفسه جعله يفكر في كثير من الأمور.
ترى لو كان خبيب مبطلاً فما الذي حدا بأبيه أن يهوي به إلى الأرض خوفاً من دعوة خبيب ألا تصيبه؟! وإن كان محقاً فلم لا تأتلف كلمة قريش برأي واحد، وتنتهي الحرب مع محمد وأصحابه؟!
إنه لم يكن على ثقة تامة من صواب موقف قومه ومعتقداتهم، ثم إن هذا المشهد قد زرع في نفسه قلقاً أخذ ينمو مع الزمن، ليدفعه إلى موقف محدد بعد حين.
دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة فاتحاً في العام الثامن للهجرة، وعانى يومها أبو سفيان من آلام الاستسلام والهزيمة ما لا يوصف، فعرض له خاطر استسلم له قليلاً، وقال في نفسه: "لو جمعت لمحمد جمعاً".
وبينما هو على هذه الحال إذا بيد تصكه بين كتفيه، فينتفض كمن لسعته حية، ويستيقظ من ذهوله وينظر، فإذا هو الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيتكلف له الابتسامة، لكن الذي أفقده صوابه هو قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((إذن يخزيك الله)).
وفي أسرع من لمح البصر ربط بين قوله في سريرة نفسه: "لو جمعت لمحمد جمعاً" وبين قول الرسول له: ((إذن يخزيك الله))، فعرف يقيناً أنه بين يدي مبعوث من السماء، عرف ما يجول بخاطره بوحي من الله. فقال وقد رفع رأسه إليه: "ما أيقنت أنك رسول الله حتى الساعة، وأنا استغفر الله وأتوب إليه، والله ما تفوهت به إلا شيء حَدّثْتُ به نفسي".
ودخل أبو سفيان في الإسلام صادقاً موقناً، وأسلمت زوجه هند بعده، وأصبح أبو سفيان وزوجه هند بنت عتبة جنديين من جنود الدعوة الإسلامية.
دخل أبو سفيان يوماً على النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا نبي الله، ثلاث أعطيهنّ، قال: نعم. قال: عندي أحسن نساء العرب وأجملهنّ، عَزّة بنت أبي سفيان، أزوجكها.
قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ((إن ذلك لا يحل لي))، قال: معاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: ((نعم)).
وانفرجت أسارير أبي سفيان وملأت الغبطة جوانحه وملكت عليه فؤاده، ثم حمل البشرى إلى ولده معاوية الذي دخله من السرور ما لا يوصف أن صار كاتباً بين يدي البشير النذير -صلى الله عليه وسلم-.
أقام معاوية في المدينة وكان أسعد ما يكون ساعة يستدعيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليملي عليه الوحي غضاً كما سمعه من جبريل -عليه السلام-
لقد صار همّه أن يتلقى العلم والحكمة من الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وغدا لا يأتي إلا والقلم معه، ينتظر أن يسمع المنادي يناديه ليكتب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وبقي معاوية -رضي الله عنه- مع النبي -صلى الله عليه وسلم- كاتباً للوحي، لكنه هيأ نفسه للجهاد في سبيل الله، فما إن قبض رسول الله حتى كان صافاً قدميه في عداد المجاهدين، ووطن نفسه على أن يطوي صفحة حياته السابقة كواحد من أهل مكة المعاندين للدعوة، وعلى أن يخوض غمار الجهاد غير عابئ بكل ما يجرّه عليه من متاعب وبلاء وتضحيات، فلقد وقر في قلبه حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:((لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة)).
بدأت الكتائب الغازية في سبيل الله تنطلق إلى ساحات الجهاد، واختار الصدّيق -رضي الله عنه- يزيد بن أبي سفيان لفتح دمشق عاصمة بلاد الشام، وكان معاوية جندياً من جنود المسلمين في صفوف جيش أخيه يزيد ذلك اليوم، وما إن فتحت دمشق حتى أوكل أمرها ليزيد -رضي الله عنه-.
وأول تجربة خاضها معاوية -رضي الله عنه- عندما اختاره عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لفتح قيسارية في فلسطين، وكتب إليه رسالة هذا نصها: "أما بعد: فقد وليتك قيسارية، فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير".
ومضت هذه الكلمة ترن في ضمير معاوية وهو يقود زحفه الكبير على العدو فحاصر مدينة قيسارية، لكن شوكة أهلها كانت قوية متينة، فزاحفوه مرّات عديدة، وجرى الاشتباك بالسيوف والسنان، وكان اللقاء الأخير الذي ارتجت به الأرض وتساقط الفرسان، وكادت الهزيمة أن تنال من المسلمين، لولا ثبات معاوية وصبره وتصميمه على النصر ومقارعته الأبطال، وإيذان الله بشمس جديدة لتشرق على هذه الأرض.
انجلت المعركة على ثمانين ألف قتيل من المشركين، بل لقد ارتفع العدد وكمل إلى المائة ألف من الذين انهزموا في المعركة، وكان هذا الفتح العظيم على يد معاوية -رضي الله عنه- وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، وذلك في السنة الخامسة عشرة للهجرة.
وأقبلت السنة السابعة عشرة وكانت تحمل في ثناياها المصاعب والمحن بالنسبة للمسلمين، من ذلك: طاعون عَمَواس، الذي نزل بالمسلمين نزول المطر على الأرض، فكانوا يتساقطون صرعى منه، فمات بسببه معظم الأمراء: أبو عبيدة عامر بن الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، وأصبحت الأردن ودمشق بلا أمراء.
أما الأردن: فوُلي عليها شرحبيل بن حسنه. وتطلعت الأنظار إلى دمشق من سيكون أميرها، وفكّر الناس في صاحب هذه الكفاءة العالية الذي سيختاره عمر، وفاجأ الخليفة المسلمين بمعاوية بن أبي سفيان أميراً على دمشق وخراجها.
لقد كان موطن ثقة أمير المؤمنين، فلما جاء البريد إلى عمر بموت يزيد، رد عمر البريد إلى الشام بولاية معاوية مكان أخيه يزيد
ثم نزل المرض بالصحابي عمير بن سعد، فاستعفى عمر من الولاية، فقبل الفاروق -رضي الله عنه- استعفاءه -وكان والياً على حمص- وتوجهت الأنظار إلى من يكون خلفاً للصحابي عمير بن سعد، وكان عمر يقلّب الأمر من كل وجوهه، ثم أعلن عزمته العمرية أن معاوية هو أمير حمص كذلك.
كان معاوية يتوقد ذكاءً وحيوية، وكان شيوخ الصحابة لا يرون هذا الاختيار لمعاوية؛ لحداثة سنّه، ولأن في المسلمين من هو أفضل منه وأقدم سابقة وأرسخ جهاداً منه.
فبدأت الأفواه تهمس وما لبثت أن تعالت قائلة "ولىّ حديث السنّ"، فقال عمر بصوته القويّ: تلوموني في ولايته وأنا سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:((اللهم اجعله هادياً مهدياً واهدِ به)).
ولما أصاب القحط المسلمين في بلاد الحجاز وبلغ بهم الجهد مبلغاً عظيماً، واستغاث الخليفة بمعاوية، أسرع في تلبية النداء، وساق إليه الإبل المحملة بالطعام، وساهم في كشف أزمة المسلمين التي أخذت بخناقهم عام الرمادة، حتى رحم الله الناس وسقاهم من عميم فضله.
خرج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى الشام فرأى معاوية في موكب يتلقاه وراح إليه في موكب، فقال عمر: يا معاوية، تروح في موكب وتغدو في مثله، وبلغني أنك تصبح في منـزلك وذوو الحاجات ببابك!
قال: يا أمير المؤمنين، إن العدو بها قريب منا، ولهم عيون وجواسيس، فأردت يا أمير المؤمنين أن يروا للإسلام عزاً.
فقال عمر: لئن كان ما قلت حقاً إنه لرأي أريب، وإن كان باطلاً فإنه لخدعة أديب، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين مرني بما شئت أصر إليه، قال: ويحك، ما ناظرتك في أمر أعيب عليك فيه إلا تركتني ما أدري آمرك أو أنهاك.
وكانت تتناهى إلى سمع معاوية أنباء الفتوحات في العراق فيطرب لها، ويود لو أن له فيها أو في غيرها نصيباً.
ومرت سنة بعد سنة، وجاءت سنة إحدى وعشرين، وتحركت كتائب المسلمين بقيادته لغزو الصائفة فأوغل في أرض الروم، وقد انضوى تحت لوائه العديد من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذين لم يعرفوا للراحة مذاقاً إلا على متون الخيل، كلما سمعوا هيعة طاروا إليها.
وعاد ابن الثامنة والثلاثين من غزوه مظفراً منصوراً، وقد غنم ورجع سالماً ليرى زوجه وقد وضعت له وليده الحبيب، فسماه يزيداً؛ تيمناً بأخيه يزيد بن أبي سفيان.
وجَدّ معاوية في امتطاء الخيل وركوب المخاطر، وساق الجيوش في غزو الصائفة عام اثنين وعشرين، وكذا في عام ثلاثة وعشرين، وأخذ المال يتدفق على المسلمين، وشعر المسلمون في الشام بأن فضلاً عميماً من الله قد أصابهم، فالانتصارات تتوالى على الثغور، والمال قد أصبح وفيراً في أيديهم، وأميرهم معاوية خير الأمراء شجاعةً وسياسةً وكرماً وحلماً.
ومضى معاوية من نصر إلى نصر، فما إن انتهى من أرض الروم في الصائفة حتى فتح عسقلان صلحاً بعد ما دب الوهن في قلوبهم، وخارت عزائمهم رعباً من أن يحل بهم ما حل بأهل قيسارية.
وتاقت نفس الأمير معاوية إلى مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإلى روابي مكة والبيت الحرام، فما إن أهلّ موسم الحج حتى توجه مع بعض أكابر المسلمين إلى الحج في تلك السنة.
توفي بعدها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى جوار ربه في عام ثلاثة وعشرين للهجرة، واختار المسلمون عثمان بن عفان -رضي الله عنه- خليفة من بعده.
وتابع معاوية سيرته الحسنة في ولايته انطلاقاً من مبادئ الإسلام العظيم الذي يدين به، وتتابعت سنوات أربعة لم يكن فيها فتح يُذكر، هذه السنوات الأربعة مرّت على معاوية لم تكن لتقنعه بأن يركن إلى الدّعة.
لقد كان صاحب الهموم الكبار والآمال العراض، وكان على رأس تلك الهموم، تفكيره بأعظم جزيرة في البحر مجاورة إليه ولم يكن يريد أن يرى حوله إلا بحراً إسلامياً تعلو فيه كلمة التوحيد، وبقاء هذه الجزيرة بأيدي الروم يؤرقه.
لاحظ معاوية وهو ينازل الروم باستمرار أن قوتهم في البحر هي العامل الأساسي في بقائهم، وأن التهديدات البرية للروم لا قيمة لها؛ إذ أن المدن الساحلية في الشام معرضة باستمرار للتهديد، لذا فلا بد من إقامة قوة إسلامية بحرية توقف سلطان الروم البحري عند حده.
فاستأذن عمر -رضي الله عنه- في فتحها فلم يأذن له، ولم يرضَ بأن يخاطر بالمسلمين في ركوب البحر. واستأذن عثمان فلم يأذن له، ورغم رفض عثمان لكنه ما زال يحنّ إلى ذلك المجهول، فأعاد الكرة، وألح وألح في الطلب حتى أذن له.
فكتب عثمان -رضي الله عنه- إلى معاوية: "لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم، خيِّرهم فمن اختار الغزو طائعاً فاحمله وأعنه".
ووصل الكتاب إلى معاوية فلم يفت ذلك في عضده، ودعا الناس وحثهم على الجهاد، فتراكض بين يديه كبار الصحابة يلبون النداء، منهم: أبو ذر الغفاري، وعبادة بن الصامت، وزوجته أم حرام بنت ملحان، والمقداد بن عمرو، وأبو الدرداء، وشداد بن أوس، -رضي الله عنهم جميعاً-.
ومضى الجيش على السفن لأول مرة كما وصفهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كالملوك على الأسرة، ولأول مرة في تاريخ الإسلام يركب المسلمون البحر في الشام بقيادة أميرهم معاوية حتى يصلوا إلى قبرص ويحاصرونها، وتوجه عبد الله بن سعد من مصر، فالتقى الجيشان على حصونها، وفوجئ القبرصيون بالحصار فصمدوا وصمدوا، ثم بدأت أعصابهم تنهار وزادهم ينفد، فلم يكن لهم بدّ من الاستسلام والمصالحة.
وتمضي الأيام ويوافي الأجل عبد الرحمن بن علقمة والي فلسطين، فلا يتردد عثمان أمير المؤمنين أن يضم فلسطين إلى معاوية، وبذلك يغدو ابن أبي سفيان سيد بلاد الشام كلها بلا منازع.
حاول ابن سبأ اليهودي أن يبث فتنته بالشام، لكن معاوية كان له بالمرصاد، فعلم أنه لا يمكن له أن ينجح فيها، فانتقل منها وصار يتنقل بين البلدان يبحث عن أرض ينفث فيها سمومه، فاستقر في مصر.
ابتدأ أولاً بالرجعة، ووجد لهذا الرأي قبولاً بين رعاع الناس ودهمائهم، وكلما تركزت حلقة من الفتنة، انتقل بتؤدة ومكر إلى الحلقة الثانية، من الرجعة إلى الوصاية، ومن الوصاية للثورة على عثمان أمير المؤمنين.
أما طريق الوصول إلى ذلك، فهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أول الأمر، والطعن على الأمراء بخفاء وتخطيط دقيق وتنظيم محكم، وهو الذي نفّذ بالفعل خطوة خطوة، ففجّر الفتنة وقاد الأمة إلى الدمار.
أدرك معاوية مبكراً أن أمراً سيحصل لعثمان وأن فتنة تقع بالمدينة، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك ما لا قبل لك به، فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا، فقال عثمان: أنا لا أبيع جوار رسول الله بشيء، وإن كان فيه قطع خيط عنقي، فقال معاوية: فأبعث إليك جنداً منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك، فقال عثمان: أنا لا أقتِّر على جيران رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالأرزاق بجند يساكنهم، ولا أضيِّق على أهل دار الهجرة والنصرة؟!. فقال معاوية: والله يا أمير المؤمنين لتُغتالنَّ أو لتُغزينّ فقال عثمان: حسبي الله ونعم الوكيل.
واستطاع ابن سبأ بذكائه أن يفرّق القلوب، وإن كانت على هدف واحد من حيث الأصل -وهو قتل عثمان- لكن الأهواء موزعة مختلفة، وقد استطاع أن يزرع في نفوسهم الميل لعليّ أو طلحة أو الزبير.
قُتل عثمان -رضي الله عنه- في قصة مليئة بالأسى والحزن، يكفي بها عبرة أن نقف مع الفقه العجيب والصبر العظيم الذي أوتيه عثمان -رضي الله عنه- حيث لم يرض أن تراق قطرة دم لأجله، بل صبر حتى قتل، وتولى الخلافة من بعده عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
بعث عليّ عمَّاله على الأمصار: فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وعبيد الله ابن عباس على اليمن، وقيس بن سعد على مصر، وسهل بن حنيف على الشام.
حصل بعدها الخلاف المشهور بين علي ومعاوية -رضي الله عنهما- وما ترتب على ذلك من حروب. والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخبرنا عن هذه الحروب قبل وقوعها، وهذا من معجزاته -صلى الله عليه وسلم- وقد ذكرها من ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: ذكرها وحدد زمانها: وذلك فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يُقتل بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة))، فلقد حدد الرسول -صلى الله عليه وسلم- القتال بهذه الأعداد الهائلة، وأنها مقتلة عظيمة.
كان أهل الشام ستين ألفاً، فقتل منهم عشرون ألفاً، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفاً فقتل منهم أربعون ألفاً، فأي مقتلة بين فئتين عظيمتين دعواهما واحدة تفوق هذا العدد؟!
ويكفينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حكماً على المعركة أنه قال عن الطرفين:((دعواهما واحدة))، فأي محاولة ماكرة لإدخال الهوى في هذه المعركة، أو محاولة اتهام أحد الطرفين بقصد الباطل وشهوة التسلط والحكم؟ إنه اتهام باطل؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد حدثنا أن دعوى الفريقين واحدة.
الجانب الثاني: حدد الرسول -صلى الله عليه وسلم- الفريق الذي أصاب الحق: وذلك فيما رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة، تمرق بينهما مارقة يقتلها أولاهما بالحق))
[وإسناده حسن].
والفئة المارقة الخوارج، والتي يقاتلها أولى الطائفتين بالحق، وقد قاتل عليّ -رضي الله عنه- الخوارج فعُلم أنه كان على الحق.
والجانب الثالث: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أخبر في الأحاديث الصحيحة التي لا يرتقي الشك إليها أن عمّار بن ياسر تقتله الفئة الباغية: روى الشيخان قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا عمار تقتلك الفئة الباغية))، فهذا حديث واضح وصريح في أن معاوية -رضي الله عنه- وصحبه في الشام قد بغوا على أمير المؤمنين عليّ، وهم الذين قتلوا عمار بن ياسر، مع أنهم معذورون في اجتهادهم فهم يقصدون الحق ويريدونه، لكنهم لم يصيبوه، وفئة عليّ أولى منهم كما قال -عليه الصلاة والسلام-.
توقف القتال بمحاولة التحكيم الذي لم يصل إلى نتيجة وبقي عليّ هو الخليفة على معظم الأقاليم ما عدا الشام.
وتمر الأيام، ويقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بسيف مسموم بيد الشقي عبد الرحمن بن ملجم بتخطيط من الخوارج، ويبايع المسلمون الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وكان أول من بايعه قيس بن سعد.
وبقي الحسن في الخلافة ستة أشهر رأى خلالها أن من مصلحة الأمة أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، فدعا معاوية إليه فوافق وسر بذلك، وتنازل له الحسن في الخامس والعشرين من ربيع الأول عام واحد وأربعين للهجرة، ودخل هو والحسن الكوفة راكبين، وسمي ذلك العام بعام الجماعة؛ لاجتماعهم على إمام، حيث عاد المسلمون إلى وحدتهم بعد خلاف استمر خمس سنوات.
لقد كانت خلافة معاوية خيراً للمسلمين، إذ انتهت مدة الفوضى والقتال، وطمع الأعداء باستعادة المراكز التي تخلو عنها، إذ وجّه المسلمون قوتهم إلى الخارج حيث عاد الجهاد، وحدثت الفتوحات وقطع الروم بخاصة أملهم في الرجوع إلى الأماكن التي فقدوها.
وسار معاوية بالناس سيرة حسنة، فقرّب من كان بعيداً، واستمع مما كان نائياً، وحرص على جمع الكلمة. وهكذا لم يبق في أيام معاوية معارض له، بل كل دخل في طاعته وانخرط في صفوف المقاتلين، فعادت الفتوحات إلى أيامها الأولى، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- في طليعة المجاهدين.
وتمضي ثلاث سنوات على خلافة معاوية، والخلاف بين المسلمين تَفتت أو كاد، وحلم معاوية -رضي الله عنه- يذيب المعضلات.
ولقد آن الأوان للتطلع إلى الجهاد من جديد بعد أن تعطل أربع سنين أو يزيد، فكان عوداً على بدء وبدأت الغزوات تتوالى في أرض الروم، وحوَّل معاوية بسر بن أبي أرطاة من البصرة إلى قيادة الجيش على الثغور الإسلامية، فلقد كان شديداً في ولايته، فلتكن هذه الشدة على أعداء الله.
وتفرّغ معاوية لمشاكل المسلمين، وكان الحدث الذي هزّه في هذا العام هو نبأ وفاة عمرو بن العاص -رضي الله عنه- الذي كان يكفيه أرض مصر، فسارع وولى ابنه عبد الله هناك.
وبينا هو كذلك إذ فتحت عليه ثغرة داخلية كبيرة، حيث اشتعلت ثورة الخوارج في العراق، لكن قلقه من جراء هذا الحدث لم يكن كبيراً، فهو يعلم أن المغيرة بن شعبة أبو المعضلات، وكان من عبقرية المغيرة أن وجه الطاقات الكامنة المتفجرة في الشجاعة والبطولة إلى قتال الخوارج.
ومضى الجيش على اسم الله، ولم تنته معاركه الطاحنة مع الخوارج إلاّ بقمع الفتنة والقضاء على المارقين وقتل قائدهم، وعادت وحدة الكلمة للأمة بعبقرية المغيرة.
لقد توحدت الطاقات كلها ضد الخوارج، وكانت نهروان جديدة حسمت الموقف مع العابثين بوحدة الأمة الإسلامية، وكان الغزو أيام معاوية -رضي الله عنه- يشمل مناطق واسعة تمتد من المحيط الأطلسي في غربي أفريقيا إلى البحر الأبيض المتوسط كله، وتساير جبال طوروس، وبلاد القفقاس، وبلاد ما وراء النهر، وطخارستان والأفغان، لتصل إلى بلاد السند، فسواحل المحيط الهندي على بلاد الهند.
ففي عام 50هـ جهز معاوية حملة كبيرة من البر والبحر لتغزو القسطنطينية بقيادة بسر بن أرطأة، وحوصرت عاصمة الروم وجرت اشتباكات بين الطرفين خسر فيها المسلمون خسائر كثيرة ولم يستطيعوا فتح القسطنطينية.
وفي عام 53هـ أعيد حصارها مرة ثانية بقيادة فضالة بن عبيد الأنصاري، واستمر الحصار لها حتى عام 57هـ ولم ينقذ القسطنطينية من الفتح إلا هبوب عاصفة هوجاء فرقت الأسطول الإسلامي.
واتخذ معاوية خطة في نقل أعداد من العرب المسلمين إلى الجزر في البحر المتوسط لحمايتها ونشر الإسلام على ربوعها.
بعدها استتب الحُكم لمعاوية -رضي الله عنه-، وضرب أروع الأمثلة في حلمه وصبره وحنكته وذكائه وتنظيماته الإدارية:
- نظم البريد ليضمن وصول رسائل الخليفة وأوامره إلى ولايات الدولة سريعاً.
- أنشأ ديوان الخاتم لختم كتب الخليفة، وحفِظ نسخ منها؛ خشية التزوير
- اهتم بالبحرية الإسلامية فقام ببناء مراكز لصناعة السفن الحربية، حتى أصبح الأسطول الإسلامي في عهده يتألف من 1700 سفينة.
- نظّم الصوائف والشواتي، وهي حملات عسكرية كان يجهزها خلفاء بني أمية للجهاد والفتح في فصلي الصيف والشتاء، وتابع الفتوحات الإسلامية في أراضي الدولة البيزنطية وأواسط آسيا وشمال أفريقيا.
صعد المنبر يوماً فقال في خطبته: إنما المال مالنا والفيء فيؤنا، فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه، فلم يجبه أحد، فلما كان في الجمعة الثانية قال مثل ذلك، فلم يجبه أحد، فلما كان في الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن حضر المسجد فقال: كلا، إنما المال مالنا والفيء فيؤنا فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا!
فنـزل معاوية فأرسل إلى الرجل فأدخله، فقال القوم: هلك الرجل، ثم دخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير، فقال معاوية: إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((سيكون بعدي أمراء يقولون ولا يرد عليهم، يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة))، وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد عليَّ أحد، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية، فلم يرد عليَّ أحد، فقلت في نفسي: إني من القوم، فلما تكلمت في الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل فرد عليَّ فأحياني أحياه الله.
إنها تقوى معاوية -رضي الله عنه- في حرصه على هدي النبوة، وخشيته أن يكون في حكمه بعيداً عن منهج الله فيقتحم في النار.
لقد كان معاوية ملكاً حقاً، وكان يملك من العبقرية والكفاءة ما يجعله خليقاً بهذا المُلْك، ولم يعتمد البطش والإرهاب سبيلاً لسيطرته واستتباب حكمه، بل كانت السياسة الرشيدة العاقلة الحكيمة التي اختطَّها هي التي حفظت له هذا المُلْك عشرين عاماً دون منازع، ولا نبالغ إذا قلنا: إن نهج معاوية في هذا الشأن هو قبس من نهج النبوة، فكان غزو القلوب والإحسان إليها هو الأصل، مع الوعي والحذر الشديدين ألا تنتفض الأمة عليه، ذفكان يراعي ويقدّر حتى الذين كانت بينه وبينهم خصومة في السابق.
كان على معاوية في كل عام أعطيات، وكان يفد الحسن بن عليّ إليه فربما أعطاه أربعمائة ألف درهم، فانقطع سنة عن الذهاب، وجاء وقت الأعطية واحتاج الحسن إليها، وكان من أكرم الناس، فأراد أن يكتب إلى معاوية ليبعث بها إليه، فلما نام تلك الليلة رأى رسول الله في المنام فقال له: يا بني أتكتب إلى مخلوق بحاجتك؟! وعلّمه دعاء يدعو به، فترك الحسن ما كان همّ به من الكتابة، فذكره معاوية وافتقده، وقال: ابعثوا إليه بمائتي ألف، فلعل له ضرورة من تركه القدوم علينا، فحملت إليه من غير سؤال.
وكان معاوية -رضي الله عنه- يقدِّر من بقي من الصحابة، وكان يرسل لهم الأموال دون سؤال منهم، وما سأله سعد شيئاً إلاّ أعطاه، وابن عمر بُعث إليه من معاوية بمائة ألف، فما حَال عليه الحول وعنده منها شيء، وكان يقول: إني لا أسأل أحداً شيئاً، وما رزقني الله فلا أردّه.
وبعث معاوية إلى الحسن بن علي بمائة ألف فقسمها بين جلسائه وكانوا عشرة، وبعث إلى عبد الله بن جعفر بمائة ألف فاستوهبتها منه امرأته فاطمة فوهبها لها.
وقضى عن عائشة أم المؤمنين ثمانية عشر ألف دينار، وما كان عليها من الدين الذي كانت تعطيه للناس، وبعث لها وهي بمكة بطوق قيمته مائة ألف فقبلته.
وكما اشتهر معاوية بالذكاء، فقد اشتهر بالحلم، قال ابن عون: كان الرجل يقول لمعاوية: والله لتستقيمنّ بنا يا معاوية أو لنقومنّك، فيقول: بماذا؟ فيقولون: بالخُشُب، فيقول: إذن أستقيم.
وعن ابن عباس قال: علمتُ بمَ كان معاوية يغلب الناس، كان إذا طاروا وقع، وإذا وقعوا طار.
وكان -رضي الله عنه- يتحمّل من خصومه، دخل عليه أحد خصومه الكبار -أبو الطفيل عامر بن وائلة الكناني، شاعر كنانة وأحد فرسانها ومن ذوي السيادة فيها- فقال له معاوية: ألست من قتلة عثمان؟ قال: لا ولكني ممّن حضره ولم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار، قال معاوية: أما لقد كان حقه واجباً وكان عليهم أن ينصروه، قال: فما يمنعك يا أمير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشام؟ فقال معاوية: أو ليس طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل وقال: أنت وعثمان كما قال الشاعر:

لا ألفينّك بعد الموت تندبني *** وفي حياتي ما زودتني زادي

فقال معاوية: يا أبا الطفيل: ما أبقى الدهر من ثكلك عليّاً؟ قال: ثكل العجوز المقلات، والشيخ الرقوب. قال: فكيف حبّك له؟ قال: حبّ أم موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير.
ومعاوية يعلم أن القلب المفطور على حب عليّ -رضي الله عنه- والذي يعادل حب أم موسى لموسى لن يحمل له شيئاً من الحب، ولا يضيره أن يسمع هذا الكلام.
كان -رضي الله عنه- عجيباً حكيماً في خلافته، واستطاع بحنكته وسياسته العجيبة أن يكسب جميع الأطراف تقريباً.
وكان لا تغرّه هذه المظاهر الضخمة من الطاعة في الولايات الإسلامية كلها، فهو يعرف أن هناك من يحقد عليه، وهو يتعامل بالتحلّم ليستلّ هذا الحقد، وإلاّ انتقضت الأمة عليه، فلكلٍّ منهم شيعته.
ويُروى عن الأحنف بن قيس حين استثاره معاوية ذات يوم فقال: يا أمير المؤمنين، إن القلوب التي أبغضناك فيها لا تزال في صدورها، وإن السيوف التي حاربناك فيها لا تزال في أغمادها.
إنه درس عظيم في السياسة ما أحوج القادة والحكّام إليه، ويعرفون من خلاله سرّ هذا المَلِك الذي شارك في قيادة الأمة أربعين عاماً -عشرون عاماً أميراً وعشرون عاماً خليفة- حكم ثلث الأرض ودانت له القلوب التي تهتز حقداً عليه، وتتميز غيظاً منه في فترة من أحرج العقود التي مرت بالأمة، فكان كما قال فيه الشاعر الأخطل:

تسمو العيون إلى إمام عادل *** معطي المهابة نافعٍ ضرّار
وترى عليه إذا العيون لمحنه *** سيما الحليم وهيبة الجبّار

وبفضل هذه السياسة الحكيمة اتحدت قلوب الأمة من جديد، وتوقف النـزيف الداخلي للأمة وتفرّغ المسلمون إلى عدوهم الخارجي، ومرت السنوات تترى، والجهاد فيها قائم في بلاد الروم، وتحقق موعود الله لهذه الأمة في غزو القسطنطينية -مدينة قيصر- وشارك في هذا الغزو كبار صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث تبدَّت وحدة الأمة المسلمة في أروع مظاهرها في هذه المشاركة، فكان فيهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري، وكان هذا إشارة من جانب آخر على مدى الاستقرار والتمكن والألفة التي وصلت إليه الأمة المسلمة بعد أن رقأت جراحها، وقطعت نزيفها الداخلي.
وقد ندم معاوية -رضي الله عنه- في آخر حياته على قتاله لعليّ بعدما تبين له صحة موقف عليّ -رضي الله عنه-، فقد التقى مع سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، فما أمهله أن سأله: مالك لم تقاتل معنا؟ قال سعد: ما كنت لأقاتل رجلاً قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أنت مني بمنـزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي))! فقال معاوية: من سمع هذا معك؟ قال سعد: فلان وفلان وأم سلمة، فقال معاوية: أما إني لو سمعته منه -صلى الله عليه وسلم- لما قاتلت علياً، وهكذا وبكل بساطة يقول الحق ويعتذر لأهله.
إنه الجيل الذي يعيش بالحق ومع الحق، ولا يجد غضاضة في أن يؤوب إلى الحق ويذلّ نفسه للحق، وكانوا بحق خير القرون على مدار التاريخ.
إن الجهاد لم ينقطع طيلة حياة معاوية -رضي الله عنه-، خاصة في الحدود المتاخمة للروم، وها هو معاوية يودع الرعيل الأول الذين كانوا رفاقه في الجهاد أو غيره، فيموتون واحداً إثر الآخر: عائشة أم المؤمنين -رضوان الله عليها- وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص وزياد بن أبيه، وعبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهم جميعاً-. وها هي الأوجاع تترى على جسمه الضعيف، وقد غدا وله نيِّف وسبعون عاماً، وكانت أغرب رسالة وصلته من رجل من أهل المدينة ففتحها فإذا فيها:

إذا الرجال ولدت أولادها *** واضطربت من كبر أعضادها
وجعلت أسقامُها تعتادها *** فهي زروع قد دنا حصادها

فطوى الكتاب وصمت هنيهة، ثم قال: نُعي إليّ نفسي.
ودنا أجل الملك المجاهد، فرمى ببصره بعيداً بعيداً وراء الأفق، واستعاد شريط ذكرياته الطويل، وحصيلة سبعين عاماً ونيّفاً انسلخت من عمره، ورأى تفاهة الدنيا وضآلة شأنها ماثلة بين عينيه فقال: تباً لك من دار، ملكتك أربعين سنة، عشرين أميراً، وعشرين خليفة، وهذا حالي فيك ومصيري منك، ثم تنهد وقال بصوت متهدج: تباً للدنيا ومحبيها، وأوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت مال المسلمين.
قال المدائني: خطب معاوية فقال: "إن من زرع قد استحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، ولا يأتيكم بعدي خير مني كما أن من كان قبلي خير مني، اللهم قد أحببت لقاءك فأحبّ لقائي".
وها هو يتقلب على فراشه، ويعاني من سكرات الموت، يضع خداً على الأرض، ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر ويبكي، ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}
[(48) سورة النساء]، اللهم اجعلني فيمن تشاء أن تغفر له، ثم غاب عن الوعي وأغمي عليه، فقاموا فتحسسوا يديه، فلا يزال قلبه ينبض، فلم يُسلِم الروح بَعْدُ، ثم فتح عينيه بعد غيبوبته، وكان آخر ما قاله يوصي أهله: "اتقوا الله -عز وجل- فإن الله سبحانه يقي من اتقاه، ولا واقي لمن لا يتقي الله"، ثم قال: "إني كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصفا، وإني دعوت بمشقص فأخذت من شعره وهو في موضع كذا وكذا، فإذا أنا مت فخذوا ذلك الشعر فاحشوا به فمي ومنخري".
ولما احتضر معاوية جعل يقول:

لعمري لقد عُمِّرتُ في الدهر بُرهة *** ودانت لي الدنيا بوقع البواتر
وأعطيت حُمْرَ المال والحكم والنّهى *** وسِلْمَ قماقيم الملوك الجبابر
فأضحى الذي قد كان مما يَسُرُّني *** كحلم مضى في المزمنات الغوابر
فيا ليتني لم أُعن في الملك ساعة *** ولم أُعْنَ في لذات عيشٍ نواضر
وكنت كذي طمرين عاش ببُلْغةٍ *** من العيش حتى زار ضيق المقابر

وما هي إلاّ لحظات حتى أسلم معاوية الروح لبارئها سبحانه، أسلمها وكل رجائه بالله أن يغفر الله له.
توفي في منتصف رجب سنة ستين للهجرة، وصلى عليه صاحب شرطته الضحاك بن قيس، ودفن بدمشق بين باب الجابية وباب الصغير.
لما مات معاوية خرج الضحاك بن قيس وصعد المنبر وأكفان معاوية على يديه تلوح، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن معاوية كان عود العرب، قطع الله -عز وجل- به الفتنة، وملّكه على العباد وفتح به البلاد، إلا أنه قد مات، فهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره، ومخلّون بينه وبين عمله، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى.
رحم الله معاوية...
ها أنت على فراش الموت تقلبك ابنتاك دون أن تملك حراكاً، وقد شارفت على الثمانين، وها أنت واقف على أعتاب قبرك وأنت طامع برحمة ربك، دون أن ينتابك غرور الدنيا بجهدك وجهادك أربعين عاماً أو يزيد، ومضيتَ وبقيت الدنيا بعد أن غاب شخصك تتحدث عنك، عن أعظم ملوك الإسلام: الملك المجاهد، أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان القرشي الأموي المكي --رضي الله عنه- وأرضاه-
اسمه: معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وأمه: هند بنت عتبة بنت ربيعة بن عبد شمس.
ولد معاوية قبل بعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بسنتين. وكان طويلاً جميلاً، أبيض الرأس واللحية، إذا ضحك انقلبت شفته العليا.
شهد مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- حنيناً والطائف، أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان يكتم إسلامه من أبيه، إلا أن أبوه يبدو أنه قد لاحظ عليه ذلك، فكان يقول له: ابني خير منك فهو على ديني -يقصد يزيد-.
وجاء عام الفتح، ودخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة، وأسلمت قريش، وأظهر معاوية إسلامه، ولقي النبي -صلى الله عليه وسلم- فرحب به.
شهد اليمامة، ونقل بعض المؤرخين أن معاوية ممن ساهم في قتل مسيلمة الكذاب، وكان من المشاركين في معركة اليرموك الشهيرة.
وأورد الطبري --رحمه الله- تعالى- أن معاوية كان من الموقعين على وثيقة استلام مدينة القدس بعد معركة اليرموك، والتي توّجها الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بحضوره إلى فلسطين، وكان معاوية والياً على الشام ذلك الوقت.
روى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مائة وثلاثة وستين حديثاً، اتفق له البخاري ومسلم على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة.
وروى عنه من الصحابة: ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو الدرداء وجرير بن عبد الله البجلي والنعمان بن بشير، وروى عنه من التابعين: سعيد بن المسيب وحميد بن عبد الرحمن.
قيل لابن المبارك: ما نقول في معاوية؟ هل هو عندك أفضل أم عمر بن عبد العزيز؟
فقال: "لتُرابٌ في مِنْخَري معاوية مع رسول الله خيرٌ من عمر بن عبد العزيز".
وسَأل رجل المعافى بن عمران --رحمه الله- تعالى- قائلاً: يا أبا مسعود، أين عمر بن عبد العزيز من معاوية؟ فغضب وقال: "يومٌ من معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز عُمُره"، ثم التفت إليه فقال: "تجعل رجلاً من أصحاب محمد مثل رجل من التابعين".
رحم الله الجميع... والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً...

mas15 : اضيفت بواسطة
1 صوت

: 18-06-2011

: 4901

طباعة


 
 
جديد المقالات
 
نهاية حياتك - ناصر الاحمد
فتيات الفردوس - مشعل العتيبي
ستندم - مشعل العتيبي
دعاء المظلومين - ناصر الاحمد