www.islamcvoice.com
موجز ويب تابعنا جديدناعلى تويتر مباشر مكة المكرمة مباشر المدينة المنورة إذاعة القرآن الكريم
مؤسسة كافل  لرعاية الأيتام

سيرة أبوبكر الصديق رضي الله عنه

المقال
 

  اضافة للمفضلة

  الصفحة الرئيسية » المحاضرات المكتوبة » ناصر الاحمد

 اسم المادة : سيرة أبوبكر الصديق رضي الله عنه


إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين مليء بالدروس والعبر، فتاريخ الخلافة إذا أحسن عرضه فإنه يغذي الأرواح، ويهذب النفوس، وينور العقول، ويشحذ الهمم، ويقدم الدروس، ويسهل العِبَر، وينضج الأفكار، فنستفيد من ذلك في إعداد الجيل المسلم وتربيته على منهاج النبوة، ونتعرف على حياة وعصر من قال الله فيهم: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [(100) سورة التوبة]، وقال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [(29) سورة الفتح].

وقال فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم)).

وقال فيهم عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرَّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم".

فالصحابة قاموا بتطبيق أحكام الإسلام ونشره في مشارق الأرض ومغاربها، فعصرهم خير العصور، فهم الذين علموا الأمة القرآن الكريم، ورووا لها السنن والآثار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتاريخهم هو الكنـز الذي حفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة والعلم والجهاد وحركة الفتوحات والتعامل مع الشعوب والأمم، فتجد الأجيال في هذا التاريخ المجيد ما يعينها على مواصلة رحلتها في الحياة على منهج صحيح وهدي رشيد، وتعرف من خلاله حقيقة رسالتها ودورها في دنيا الناس.

وقد عرف الأعداء من اليهود والنصارى والعلمانيين والماركسيين والروافض وغيرهم خطورة التاريخ وأثره في صياغة النفوس وتفجير الطاقات، فعملوا على تشويهه وتزويره وتحريفه وتشكيك الأجيال فيه، فقد لعبت فيه الأيدي الخبيثة في الماضي وحرفته أيدي المستشرقين في الحاضر، ففي الماضي تعرض تاريخنا الإسلامي للتحريف والتشويه على أيدي اليهود والنصارى والمجوس والرافضة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر؛ إذ رأوا أن كيد الإسلام على الحيلة أشد نكاية فيه وفي أهله، فأخذوا يدبرون المؤامرات في الخفاء لهدم الإسلام وتفتيت دولته وتفريق أتباعه، وذلك عن طريق تزييف الأخبار وترويج الشائعات الكاذبة.

لقد قام الأعداء بصياغة تاريخنا وفق مناهجهم المنحرفة، وتأثر بعض المؤرخين المسلمين بتلك المناهج المستوردة، فأصبحت كتابتهم في العقود الماضية ترجمة حرفية لما كتبه المستشرقون والماركسيون والروافض واليهود وغيرهم من أعداء الأمة؛ وذلك لأنهم لا يملكون تصورًا حقيقيًا لروح الإسلام وطبيعته، حيث إن كتابة التاريخ الإسلامي تحتاج حتمًا إلى إدراك طبيعة الفكرة الإسلامية ونظرتها إلى الحياة والأحداث والأشياء، ووزنها للقيم التي عليها الناس، وتأثيرها في الأرواح والأفكار وصياغتها للنفوس والشخصيات.

فأبو بكر –رضي الله عنه- سيد الصديقين وخير الصالحين بعد الأنبياء والمرسلين، فهو أفضل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأعلمهم وأشرفهم على الإطلاق، فقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي)).

وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي عمر أيضًا: ((اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر)).

وشهد له عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بقوله: "أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

وقال عنه علي بن أبي طالب لما سأله ابنه محمد ابن الحنفية بقوله: "أي الناس خير بعد رسول الله؟ قال: أبو بكر".

إن حياة أبي بكر -رضي الله عنه- صفحة مشرقة من التاريخ الإسلامي الذي بهر كل تاريخ وَفَاقَه، والذي لم تَحْوِ تواريخ الأمم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف والمجد والإخلاص والجهاد والدعوة لأجل المبادئ السامية.

اسمه: عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي، ويلتقي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في النسب في الجد السادس مُرَّة بن كعب، ويكنى بأبي بكر.

لقبه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعتيق، فقد قال له -صلى الله عليه وسلم-: ((أنت عتيق الله من النار))، ولقبه أيضاً بالصدّيق، ففي حديث أنس -رضي الله عنه- أنه قال: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- صعد أحدًا، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: ((اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصدّيق وشهيدان)).

وقد لقب بالصدّيق؛ لكثرة تصديقه للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أجمعت الأمة على تسميته بالصدّيق؛ لأنه بادر إلى تصديق الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولازمه الصدق فلم تقع منه هناة أبدًا.

ولد بعد عام الفيل، وقد نشأ نشأة كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة والعز في قومهما، مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس، عزيز المكانة في قومه.

كان أبيضاً تخالطه صفرة، حَسَن القامة، نحيفًا خفيف العارضين، لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه، رقيقاً معروق الوجه، غائر العينين، ويخضب لحيته وشيبه بالحناء والكتم.

أما والده فهو عثمان بن عامر بن عمرو، يكنى بأبي قحافة، أسلم يوم الفتح، وأقبل به الصدّيق على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((يا أبا بكر، هلا تركته حتى نأتيه؟))، فقال أبو بكر: "هو أولى أن يأتيك يا رسول الله".

فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويروى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هنّأ أبا بكر بإسلام أبيه، وقال لأبي بكر: ((غيروا هذا من شعره))، فقد كان رأس أبي قحافة مثل الثغامة.

وأما والدة الصدّيق: فهي سلمى بنت صخر، وكنيتها أم الخير، وقد أسلمت مبكرًا.

وأما زوجاته: فقد تزوج -رضي الله عنه- من أربع نسوة، أنجبن له ثلاثة ذكور وثلاث إناث، عبد الرحمن وعبد الله ومحمد، وأسماء وعائشة وأم كلثوم.

ولا يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا آل أبي بكر الصديق، وهم: عبد الله بن الزبير، أمه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون، وأيضا محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة -رضي الله عنهم-.

وليس من الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده، وأدركوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وأدركه أيضاً بنو أولاده إلا أبو بكر من جهة الرجال والنساء، فكلهم آمنوا بالنبيّ وصحبوه، فهذا بيت الصديق، فأهله أهل إيمان، ولا يعرف في الصحابة مثل هذه لغير بيت أبي بكر -رضي الله عنهم-.

وكان يقال: للإيمان بيوت، فبيت أبي بكر من بيوت الإيمان من المهاجرين، وبيت بني النجار من بيوت الإيمان من الأنصار.

كان أبو بكر الصدّيق في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم وأحد رؤسائهم، وكان من خيارهم، ويستعينون به فيما نابهم، وكانت له بمكة ضيافات لا يفعلها أحد، وقد اشتهر بالعلم بالأنساب والتجارة، وارتحل بين البلدان، وكان رأس ماله أربعين ألف درهم، وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم، وكان موضع الألفة بين قومه وكانوا يحبونه ويألفونه، ويعترفون له بالفضل العظيم والخلق الكريم، وكانوا يأتونه ويألفونه، ولم يشرب الخمر في الجاهلية، وقد أجاب الصدّيق من سأله: هل شربت الخمر في الجاهلية؟ بقوله: "أعوذ بالله"، فقيل: ولِمَ؟ قال: "كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مُضيّعًا لعرضه ومروءته".

ولم يسجد لصنم قط، قال أبو بكر -رضي الله عنه- في مجمع من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني، فلم يُجبني، فقلت: إني عارٍ فاكسني، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخرَّ لوجهه".

فلا عجب على من كانت هذه أخلاقه أن ينضم لموكب دعوة الحق ويحتل فيها الصدارة، ويكون بعد إسلامه أفضل رجل بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقُهوا)).

لله در الصدّيق -رضي الله عنه-، فقد كان يحمل رصيدًا ضخمًا من القيم الرفيعة، والأخلاق الحميدة والسجايا الكريمة في المجتمع القرشي قبل الإسلام، وقد شهد له أهل مكة بتقدمه على غيره في عالم الأخلاق والقيم والمثل، ولم يُعلم أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب ولا نقصه، ولا استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين، ولم يكن له عندهم عيب إلا الإيمان بالله ورسوله.

كان إسلام أبي بكر -رضي الله عنه- وليد رحلة إيمانية طويلة في البحث عن الدين الحق الذي ينسجم مع الفطرة السليمة ويلبي رغباتها، وكان قد سبق أن سمع ببعثة نبي من حوار سمعه بين زيد بن عمرو بن نفيل وأمية بن أبي الصلت، قال: "ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويبعث، قال:فخرجت أريد ورقة بن نوفل -وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر- فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، إنا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسبًا ولي علم بالنسب، وقومك أوسط العرب نسبًا"، قلت: "يا عم وما يقول النبي؟ قال: يقول ما قيل له؟ إلا أنه لا يَظلم، ولا يُظلم ولا يُظالم، فلما بُعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آمنت به وصدقته".

وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصها على بَحيرا الراهب، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسرّ ذلك أبو بكر في نفسه.

وعندما نزل الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخذ يدعو الأفراد إلى الله، وقع أول اختياره على الصدّيق -رضي الله عنه-، فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بصدقه وأمانته وأخلاقه التي تمنعه من الكذب على الناس، فكيف يكذب على الله؟ فعندما فاتحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدعوة الله أسلم الصدّيق ولم يتلعثم وتقدّم ولم يتأخر، وعاهد رسول الله على نصرته، فقام بما تعهد، ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حقه: ((إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟)).

وبذلك كان الصدّيق -رضي الله عنه- أول من أسلم من الرجال الأحرار، وبإسلام أبي بكر عمَّ السرور قلب النبي -صلى الله عليه وسلم-.

لقد كان أبو بكر كنـزًا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه، وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الموطئين أكنافاً، من الذين يألفون ويؤلفون، والخلق السمح وحده عنصر كاف لألفة القوم، وهو الذي قال فيه -عليه الصلاة والسلام-: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر)).

أسلم الصدّيق -رضي الله عنه- وحمل الدعوة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتعلم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الإسلام دين العمل، وقد كان الصدّيق كثير الحركة للدعوة الجديدة، وكثير البركة، أينما تحرك أثَّر وحقق مكاسب عظيمة للإسلام.

كانت أول ثمار الصدّيق الدعوية دخول صفوة من خيرة الخلق في الإسلام، وهم: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم ابن أبي الأرقم -رضي الله عنهم-.

وجاء بهؤلاء الصحابة الكرام فرادى فأسلموا بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا الدعامات الأولى التي قام عليها صرح الدعوة، وكانوا العُدَّة الأولى في تقوية جانب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبهم أعزه الله وأيده، وتتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، رجالاً ونساء، وكان كل من هؤلاء الطلائع داعية إلى الإسلام، وأقبل معهم رعيل السابقين، الواحد والاثنان، والجماعة القليلة، فكانوا على قلة عددهم كتيبة الدعوة وحصن الرسالة، لم يسبقهم سابق ولا يلحق بهم لاحق في تاريخ الإسلام.

اهتم الصدّيق بأسرته فأسلمت أسماء وعائشة وعبد الله وزوجته أم رومان وخادمه عامر بن فهيرة.

لقد كانت الصفات الحميدة والخلال العظيمة والأخلاق الكريمة التي تجسدت في شخصية الصدّيق عاملاً مؤثرًا في الناس عند دعوتهم للإسلام.

لقد أوذي أبو بكر -رضي الله عنه- وحُثي على رأسه التراب، وضُرِبَ في المسجد الحرام بالنعال، حتى ما يُعرف وجهه من أنفه، وحُمل إلى بيته في ثوبه وهو ما بين الحياة والموت، فقد روت عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنه لما اجتمع أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر -رضي الله عنه- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الظهور، فقال: ((يا أبا بكر، إنَّا قليل))، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كلُّ رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبًا ورسول الله جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوه في نواحي المسجد ضربًا شديدًا، ووُطِئ أبو بكر وضُرب ضربًا شديدًا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر -رضي الله عنه- حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاءت بنو تيم يتعادون، فأجْلَتِ المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منـزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل والده وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: "ما فعل رسول الله؟!".

هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والإيمان والكفر، وتوضح ما تحمَّله الصدّيق من الألم والعذاب في سبيل الله تعالى، كما تعطي ملامح واضحة عن شخصيته الفذّة، وشجاعته النادرة.

إن الصدّيق -رضي الله عنه- أول من أوذي في سبيل الله بعد رسول الله، وأول من دافع عن رسول الله، وأول من دعا إلى الله، وكان الذراع اليمنى لرسول الله، وتفرغ للدعوة وملازمة رسول الله.

تضاعف أذى المشركين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولأصحابه مع انتشار الدعوة في المجتمع المكيّ الجاهليّ، حتى وصل إلى ذروة العنف وخاصة في معاملة المستضعفين من المسلمين، فنكلت بهم لتفتنهم عن عقيدتهم وإسلامهم، ولتجعلهم عبرة لغيرهم، ولتُنفس عن حقدها وغضبها بما تصبه عليهم من العذاب.

وقد تعرض بلال -رضي الله عنه- لعذاب عظيم، ولم يكن لبلال -رضي الله عنه- ظهر يسنده، ولا عشيرة تحميه، ولا سيوف تذود عنه، ومِثل هذا الإنسان في المجتمع الجاهلي المكي يعادل رقمًا من الأرقام، فليس له دور في الحياة إلا أن يخدم ويطيع ويباع ويشترى كالسائمة، أما أن يكون له رأي أو يكون صاحب فكر، أو صاحب دعوة أو صاحب قضية، فهذه جريمة شنعاء في المجتمع الجاهلي المكي تهز أركانه، وتزلزل أقدامه، ولكن الدعوة الجديدة التي سارع لها الفتيان وهم يتحدون تقاليد وأعراف آبائهم الكبار لامست قلب هذا العبد المرمي المنسي، فأخرجته إنسانًا جديدًا في الحياة، قد تفجرت معاني الإيمان في أعماقه بعد أن آمن بهذا الدين وانضم إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- وإخوانه في موكب الإيمان العظيم.

وعندما علم سيده أمية بن خلف راح يهدده تارة ويغريه أطوارًا، فما وجد عند بلال غير العزيمة وعدم الاستعداد للعودة إلى الوراء، إلى الكفر والجاهلية والضلال، فحنق عليه أمية وقرر أن يعذبه عذابًا شديدًا، فأخرجه إلى شمس الظهيرة في الصحراء بعد أن منع عنه الطعام والشراب يومًا وليلة، ثم ألقاه على ظهره فوق الرمال المحرقة الملتهبة، ثم أمر غلمانه فحملوا صخرة عظيمة وضعوها فوق صدر بلال وهو مقيد اليدين، ثم قال له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، وأجاب بلال بكل صبر وثبات: "أحد أحد"، وبقي أمية بن خلف مدة وهو يعذب بلالاً بتلك الطريقة البشعة، فقصد الصدّيق موقع التعذيب وفاوض أمية بن خلف وقال له: "ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟!" قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، فقال أبو بكر: "أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به"، قال: قد قبلت، فقال: "هو لك"، فأعطاه أبو بكر الصدّيق -رضي الله عنه- غلامه ذلك وأخذه فأعتقه.

واستمر الصدّيق في سياسة فك رقاب المسلمين المعذبين، فراح يشتري العبيد والإماء والمملوكين من المؤمنين والمؤمنات، منهم: عامر بن فهيرة، وأم عبيس، وزنيرة، وأعتق النهدية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار.

ومرّ الصديق بجارية بني مؤمَّل، حي من بني عدي بن كعب، وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك يضربها، فابتاعها أبو بكر فأعتقها.

هكذا كان واهب الحريات، ومحرر العبيد، شيخ الإسلام الوقور، أنفق جزءًا كبيرًا من ماله في شراء العبيد، وأعتقهم لله وفي الله.

وكان المجتمع المكي يتندر بأبي بكر -رضي الله عنه- الذي يبذل هذا المال كله لهؤلاء المستضعفين، أما في نظر الصدّيق فهؤلاء إخوانه في الدين الجديد، فكل واحد من هؤلاء لا يساويه عنده مشركو الأرض وطغاتها، وبهذه العناصر وغيرها تَبني دولة التوحيد، وتَصنع حضارة الإسلام الرائعة، ولم يكن الصدّيق يقصد بعمله هذا محمدةً ولا جاهًا ولا دنيا، وإنما كان يريد وجه الله ذا الجلال والإكرام.

لقد قال له أبوه ذات يوم: "يا بني، إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذا فعلت أعتقت رجالاً جلدًا يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: "يا أبت، إني إنما أريد ما أريد لله -عز وجل-".

فلا عجب إذا كان الله سبحانه أنزل في شأن الصدّيق قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى* وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى* إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى* وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى* فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى* لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى* وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى* وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى* إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى* وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [5 - 21) سورة الليل].

لقد كان الصدّيق من أعظم الناس إنفاقا لماله فيما يرضي الله ورسوله، وما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يحيوا هذا المثل الرفيع، والمشاعر السامية، ليتم التلاحم والتعايش والتعاضد بين أبناء الأمة التي يتعرض أبناؤها للإبادة الشاملة من قِبَل أعداء العقيدة والدين.

وكان للصدّيق -رضي الله عنه- شرف صحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في رحلة الهجرة المباركة، تلك الرحلة التي بكى فيها أبو بكر من شدة الفرح.

تقول عائشة -رضي الله عنها- في هذا الشأن: "فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ"، إنها قمة الفرح البَشَري، أن يتحول الفرح إلى بكاء.

وَرَدَ الكتاب من الحبيب بأنه
غلب السرور عليَّ حتى إنني
يا عين صار الدمع عندك عادة

سيزورني فاستَعبرَتْ أجفاني
من فرط ما قد سرني أبكاني
تبكين من فرح ومن أحزان

فالصدّيق –رضي الله عنه- يعلم أن معنى هذه الصحبة أنه سيكون وحده برفقة رسول رب العالمين بضعة عشر يومًا على الأقل، وهو الذي سيقدم حياته لسيده وقائده وحبيبه، فأي فوز في هذا الوجود يفوق هذا الفوز، أن ينفرد الصدّيق وحده من دون أهل الأرض ومن دون الصحب جميعًا برفقة سيد الخلق وصحبته كل هذه المدة.

قام بعدها بتسخير جميع أفراد أسرته لخدمة النبي -صلى الله عليه وسلم- في هجرته، فكان لابنه عبد الله دور، ولعائشة دور، ولأسماء دور، بل حتى خادمه ومولاه عامر بن فهيرة كان له دور في الهجرة.

من العادة عند كثير من الناس إهمال الخادم وقلة الاكتراث بأمره، لكن الدعاة الربانيين لا يفعلون ذلك، إنهم يبذلون جهدهم لهداية من يلاقونه، لذا أدَّب الصدّيق –رضي الله عنه- عامر بن فهيرة مولاه وعلمه، فأضحى عامر جاهزًا لفداء الإسلام وخدمة الدين.

وإنه لدرس عظيم يستفاد من الصدّيق لكي يهتم المسلمون بالخدم الذين يأتونهم من مشارق الدنيا ومغاربها، ويعاملونهم على كونهم بَشَرًا أولاً، ثم يُعلّمونهم الإسلام، فلعل الله يجعل منهم من يحمل هذا الدين كما ينبغي.

وبعد وصول النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر إلى المدينة من رحلة الهجرة والاستقرار بها، بدأت رحلة المتاعب والمصاعب والتحديات، فتغلب عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للوصول للمستقبل الباهر للأمة والدولة الإسلامية التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة على أسس من الإيمان والتقوى والإحسان والعدل، بعد أن تغلبت على أقوى دولتين كانتا تحكمان في العالم، وهما الفرس والروم، وكان الصدّيق –رضي الله عنه- الساعد الأيمن للنبي -صلى الله عليه وسلم- منذ بزوغ الدعوة حتى وفاته.

وكان أبو بكر –رضي الله عنه- ينهل بصمت وعمق من ينابيع النبوة حكمةً وإيمانًا، يقينًا وعزيمة، وتقوى وإخلاصًا، فإذا هذه الصحبة تثمر صلاحًا وصِدِّيقيَّة، ذكرًا ويقظة، حبًّا وصفاءً، عزيمة وتصميمًا، إخلاصًا وفهمًا، فوقف مواقفه المشهودة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في سقيفة بني ساعدة، وبعث جيش أسامة، وحروب الردة، فأصلح ما فسد، وبنى ما هُدم، وجمع ما تفرّق، وقوَّم ما انحرف.

اتفق أهل السنة على أن أبا بكر أعلم هذه الأمة، وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملازمته للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان أدوم اجتماعًا به ليلاً ونهارًا، وسفرًا وحضرًا، وكان يسمر عند النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد العشاء، يتحدث معه في أمور المسلمين دون غيره من أصحابه، وكان إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره وربما لم يتكلم غيره، فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه، ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة.

وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روي فيها، وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم، وفي الجملة لا يعرف لأبي بكر مسألة في الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره، وكان –رضي الله عنه- يقضي ويفتي بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ويُقرّه، ولم تكن هذه المرتبة لغيره.

وكان الصديق –رضي الله عنه- يجيد تأويل الرؤى، فعن عائشة -رضي الله عنها- أنها رأت كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار، فقصتها على أبيها فقال: "إن صدقت رؤياك ليدفننّ في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة"، فلما قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا عائشة هذا خير أقمارك".

ذكر أهل السير أن أبا بكر شهد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بدرًا والمشاهد كلها، ولم يفته منها مشهدًا، وثبت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد حين انهزم الناس، ودفع إليه النبي -عليه الصلاة والسلام- رايته العظمى يوم تبوك وكانت سوداء.

أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- الصدّيق أميرًا على الحج سنة تسع من الهجرة، فخرج أبو بكر الصدّيق بركب الحجيج، ونزلت سورة براءة فدعا النبي -صلى الله عليه وسلم- عليًا –رضي الله عنه-، وأمره أن يلحق بأبي بكر، فخرج على ناقة رسول الله العضباء حتى أدرك الصدّيق بذي الحليفة، فلما رآه الصدّيق قال له: "أمير أم مأمور؟"، فقال: "بل مأمور"، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة، وقد خطب الصدّيق قبل يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفير الأول، فكان يُعرّف الناس مناسكهم في وقوفهم وإفاضتهم ونحرهم ونفيرهم ورميهم للجمرات، وعلي بن أبي طالب يخلفه في كل موقف من هذه المواقف فيقرأ على الناس صدر سورة براءة، ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة: ((لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك)).

وقد أمر الصدّيق أبا هريرة في رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته، وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى، وهي حجة الوداع.

لقد أُعلن في حجة أبي بكر أن عهد الأصنام قد انقضى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وما على الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، أيقنت تلك القبائل أن الأمر جدٌّ، وأن عهد الوثنية قد انقضى فعلاً، فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلامها ودخلوها في التوحيد.

والحمد لله...

mas15 : اضيفت بواسطة
3 صوت

: 17-05-2013

: 7111

طباعة


 
 
جديد المقالات
 
نهاية حياتك - ناصر الاحمد
فتيات الفردوس - مشعل العتيبي
ستندم - مشعل العتيبي
دعاء المظلومين - ناصر الاحمد