www.islamcvoice.com
موجز ويب تابعنا جديدناعلى تويتر مباشر مكة المكرمة مباشر المدينة المنورة إذاعة القرآن الكريم

أتيته هروله

المقال
 

  اضافة للمفضلة

  الصفحة الرئيسية » المحاضرات المكتوبة » محمد العريفي

 اسم المادة : أتيته هروله

الحمد لله ..أما بعد ..
جرت عادة الناس أنهم يكرمون الكبراء .. ويحرصون على تكوين علاقات معهم حتى يستعينوا بهم إذا وقعوا في الكربات ..
فتجد أكثر الناس يفتخر إذا عرفه مسئول في وزارة .. أو مدير في مستشفى .. أو ضابط كبير في أمن ..
ويشعر بسعادة غامرة لو نظر إليه هذا الكبير نظرة .. أو استجاب له في دعوة على وليمة .. أو تلقاه ببشر وابتسامة ..
وتجد الكثيرين إذا وقعوا في الكربات .. فكروا في الخلق قبل الخالق ..
ففي المرض .. أول ما يتبادر إلى الاذهان .. الطبيب المعالج .. والمستشفى المناسب .. وقيمة العلاج .. وينسى المريض أن يرفع يديه أولاً إلى من بيده المرض والشفاء يسأله أن يكشف ضره .. ثم يبذل الأسباب ..
وفي كربة الدَّيْن والفقر .. يفكر غالباً فيمن يعينه من الأغنياء .. وينسى الغني الكريم جل جلاله ..
وفريق آخر من الناس ..
لا يكاد يدعو الله ويتعرفُ إليه إلا إذا وقع في الشدائد .. أما في الرخاء .. فلا يكاد يبكي من خشيته .. أو يستحي من مراقبته ..
ولقد قص الله تعالى علينا في القرآن خبر رجلين .. كلاهما غرق في البحر :
الأول نبي من أنبياء الله ..
والثاني عدو من أعداء الله ..
أما الأول .. فنبي الله يونس عليه السلام ..
أرسله الله إلى قرية نينوى ..
وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي
كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ "
قالت الملائكة : يا رب هذا صوت معروف من بلاد غريبة ،
فقال الله عز وجل : أما تعرفون ذلك ؟
قالوا : ومن هو ؟
قال : عبدي يونس ،
قالوا : عبدك يونس الذي لم يزل يُرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة ؟
قال : نعم ،
قالوا : يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء ؟
قال : بلى ، قال : فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء ..
قال الله :" فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ "..
يقول الحسن البصري : ما كان ليونس صلاة في بطن الحوت .. لكنه قدم عملاً صالحاً في الرخاء ..
هذا حال يونس عليه السلام .. أحبه الله فأنقذه من المصائب ..
أما فرعون ..
فقد أتاه الله أموالاً وملكاً .. فاغتر برخائه ونعمائه .. وأخذ يتلفت في ملكه ويقول للناس :" يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ..
أرسل الله تعالى إليه موسى .. فذكره بحقيقته وأنه عبد مملوك لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ..
فأعرض فرعون وكذب .. وجعل يتتبع المؤمنين ..
حتى فر موسى وقومه من بطشه فلحقهم بجنده .. فلما وصل موسى إلى البحر .. فإذا أمواجه تتلاطم .. وفرعون من ورائهم ..
فقال أصحاب موسى .. إنا لمدركون .. فقال موسى : كلا إن معي ربي سيهدين ..
فأوحى الله إليه فضرب البحر بعصاه .. فانفلق وصار الطريق بين أيديهم يبساً ..
فلما وصل فرعون ورأى الطريق وسط الماء حرك فرسه ودخل .. فلما توسط الطريق فإذا بالأمواج تتلاطم عليه .. فجعل يصيح ويستغيث ..
قال الله :" وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ "
ارتفعت دعوته إلى السماء .. فقالت الملائكة : ..
أول شيء حصل لفرعون أن نزل جبريل من السماء ..
وقيل لفرعون : "آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ " ..
* * * * * * * * * * * *
نعم ..
كلما أقبلت إلى الله أقبل إليك .. وإن أعرضت عنه أعرض عنك ..
اسمع إلى قول الله : " يحبهم ويحبونه " .. نعم لما أحبوه أحبهم ..
وقال :"نسوا الله فنسيهم " .. نعم .. لما نسوه استحقوا النسيان ..
:"ومكروا ومكر الله " .. وهذا جزاء الماكرين ..
:"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " .. نعم جزاء وفاقاً ..
بل لسعة رحمة الله .. وعظم إكرامه لعباده .. يزيد لهم في الإحسان والإكرام ..
روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي .. وأنا معه حين يذكرني ..
إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ..
وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ هم خير منهم ..
وإن تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً ..
وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً ..
وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ..
نعم ربٌ حليم يحب الخير لعباده .. يتقرب إليهم أكثر مما يتقربون إليه ..
يذكرهم أعظم مما يذكرونه .. يسترهم وهم يعصونه .. يحسن إليهم وهم يسيئون .. يتحبب إليهم بالنعم وهم إليه بالمعاصي يتبغضون..
خيره إليهم نازل وشرهم إليه صاعد ..
يسمعون الغناء .. فلا يعجل عليهم بل يحفظ عليهم أسماعهم ..
وينظرون إلى الحرام .. فيحلم عليهم .. ويحفظ ابصارهم ..
ويرقصون ويعصون .. وهو مع ذلك .. يحب لهم التوبة والهداية ..
* * * * * * * * * * * *
وانظر إلى من أقبل إلى ربه وأحبه .. فأقبل الله إليه وأحبه .. إلى من أتى إلى الله يمشي .. فأتاه الله هرولة ..
انظر إلى حبيبك وقرة عينك محمد صلى الله عليه وسلم وقد خرج إلى بدر لينصر الدين .. فإذا بين يديه جيش لا قبل له به .. فجعل يستغيث ربه .. اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ..
ويعيد ويستجير .. ويدعو دعاء الكسير .. دعاء من ذلت لله رقبته .. وسجدت له جبهته .. وفاضت له عيناه ..
فينظر الله إلى اليدين الداعيتين .. فإذا هما يدان طاهرتان .. ما لمست حراماً .. ولا أعطت حراماً .. وينظر إلى العينين .. فإذا هما في الليل باكيتان .. وفي النهار مغضوضتان .. وإذا الفم الداعي في النهار مسبح ذاكر .. وفي الليل متعبد لربه شاكر ..
فتهتز أبواب السماء .. بملائكة أشداء .. وينصر المحبون المتقربون .. الذين أقبلوا إلى ربهم فأقبل عليهم .. تعرفوا إليه في الرخاء فعرفهم في الشدة .. ويقتل من المشركين سبعون .. ويؤسر منهم سبعون ..
وينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر منتصراً مرفوع الرأس .. ثابت الخطى ..
فيصلي لربه ركعتين .. فلما فرغ استنار وجهه .. وظهر عليه السرور .. وتبسم ..
فسأله أصحابه عن تبسمه ؟
فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن جبريل أتاه على فرس أنثى معقود الناصية .. وقد عصم ثنييه الغبار .. فقال :
يا محمد إن ربي بعثني إليك .. وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى .. فهل رضيت ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : نعم ..
نعم .. ولماذا لا يرضيه ربه .. وهو الذي يحبه ويطيعه .. لم تكن محبته لربه ادعاء باللسان لا حقيقة له في الواقع .. بل يحب ربه حباً صادقاً .. يقدم أمره على كل أمر .. ومراده على كل مراد ..
يعرف شرط المحبة فيعمل به :" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " ..

* * * * * * * * * * * *
وكم وقع في معركة بدر من أعاجيب المحبين .. الذين عرفوا ربهم .. وقدموا محبته على كل حب .. ورضاه على كل رضا .. يمضون لرضاه ماشين ومهرولين ..
في أثناء بدر .. يتتابع المحبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فيأتيه عوف بن الحارث فيقول بلسان المشتاق ..
يا رسول الله .. ما يضحك الرب من عبده ..
فيقول صلى الله عليه وسلم : غمسه يده في العدو حاسرا ..
فيعجب عوف .. إن هجمت على العدو بسيف بتار .. ضحك مني الرب القهار ..
فيميل إلى درع حديد كان يلبسها .. فيحل حزامها .. ثم يقذفها .. ثم يأخذ سيفه فيقاتل حتى قتل رضي الله عنه ..
ويقبل صحابي آخر فيسأل : ما أحب العمل إلى الله ..
ويقبل الثالث : ما أثقل شيء في الميزان ..
ورابع وخامس .. نعم همم عالية .. عرفت أن الله تعالى هو أعظم المحبوبين .. وأكرم الأكرمين .. يجازي على القليل كثيراً .. وهذا فعل الملوك .. ويتجاوز عن الأخطاء وهذا فعل الأقوياء .. ويجزي على الإحسان وهذا فعل الكرماء ..
كانوا يعرفون عظمة الله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعظمه بينهم ..
واستمع إلى العباس رضي الله عنه وهو يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يعرفهم بربهم ..
وفي الحديث الحسن عند أحمد وغيره ..
عن العباس بن عبد المطلب قال :
كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء ..
فمرت سحابة .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتدرون ما هذا ؟
قلنا : السحاب .. قال : والمزن ؟ قلنا : والمزن .. قال : والعنان ..
قال : فسكتنا ..
فقال : هل تدرون كم بين السماء والأرض ؟
قلنا : الله ورسوله أعلم ..
قال : بينهما مسيرة خمسمائة سنة ..
ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسِمائة سنة ..
وكثفُ كل سماء خمسُمائة سنة ..
وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ..
ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ..
والله تبارك وتعالى فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بنى آدم شيء ..
* * * * * * * * * * * *
فسبحان ذي العرش سبحانا يدوم له * وقبلنا سبح الجودي والجمد
مسخر كل ما تحت السماء له * لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته * يبقى الاله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه * والخلدَ قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح به * والجن والإنس فيما بينها مرد
أين الملوك التي كانت لعزتها * من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب * لا بد من ورده يوما كما وردوا
* * * * * * * * * * * *
ومن مشى إلى ربه مقبلاً إليه .. صادقاً في طلب ما عنده ..
راجياً عفوه ومغفرته .. متبعاً لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم ..مقتدياً به في أقوله وأفعاله ..
راجياً دخول الجنة والنجاة من النار ..
مستشعراً أن الله يحبه .. ويفرح بتوبته .. ويزين له جنته .. نعم يزينها ويقول : يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك ..
من استشعر أن الله ينظر إليه وهو مبتلى ..
وقد أعد له في الجنة ما ينسيه الهموم والغموم ..
والآفات والكربات ..
من أيقن بذلك ثبت على دينه كالجبل .. ولو وقفت في وجهه الدنيا كلها ..
خالد بن سعيد بن العاص ..
كان شاباً في مكة يسمع بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم .. ويراه يمشي في الطرقات يدعو الناس للإسلام .. ويسمع الناس يسبونه ويكذبونه ..
وكان خالد يعرض مع المعرضين .. يعبد الأصنام .. ويكفر بالملك العلام ..
حتى بات ليلة من الليالي فرأى في منامه أنه وقف به على شفير النار .. وذكر من سعتها وعظمها ما الله أعلم به .. فجعل يتهول من كبرها ..
ثم رأى كأنه أتاه من يدفعه فيها .. ليتردى في دركاتها .. ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بحقويه – أي بمربط إزاره – يمسكه عن الوقوع فيها ..
ففزع من نومه .. وقعد متفكراً على فراشه ..
وجعل يعجب مما رأى .. ويحدث نفسه قائلاً : أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق ..
فخرج في الصباح يمشي .. فلقي أبا بكر رضي الله عنه ..
فقال : يا أبا بكر .. لقد رأيت رؤيا أفزعتني ..
قال : ما هي .. فقال : رأيت النار وكأن هناك من يدفعني فيها .. وصاحبك محمد يمسك بحقوي يمنعني منها ..
ففرح أبو بكر وقال : أريد بك خير .. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه .. فإنك ستتبعه وتدخلُ معه في الإسلام .. والإسلام يحجزك أن تدخل فيها ..
فانطلق خالد يلتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فلقيه بأجياد ..
فقال : يا محمد .. إلى ما تدعو ؟
فنظر صلى الله عليه وسلم إليه ثم قال بكل رفق : أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وأن محمدا عبده ورسوله .. وتخلعَ ما أنت عليه من عبادة حجر .. لا يسمع ولا يضر .. ولا يبصر ولا ينفع .. ولا يدري من عبده ممن لا يعبده ..
فقال خالد بكل شجاعة : فإني أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أنك رسول الله ..
فسُرَّ النبي عليه الصلاة والسلام بإسلامه ..
ومضى خالد يسير في طرقات مكة .. وكأنك بالشيطان يعض أنامله غيظاً أن فقد جندياً من جنوده .. وخالد يمشي مسلماً عزيزاً وكأنه والله جبل يمشي على الأرض ..
كان خالد شاباً .. وكان أبوه من كبار المشركين ..
فلما علم أبوه بإسلامه ..
أقبل إليه يسبه ويؤنبه .. وخالد أسد ثابت كالجبال ..
فاشتد غضب أبيه .. وجعل يضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه ..
ويهدد ويقول : والله لأمنعنك القوت والطعام .. والله لأمنعنك المال .. والله ..
فقال خالد وهو يرفق بأبيه .. ويرجو إسلامه : وإن منعتني .. فإن الله يرزقني ما أعيش به ..
ولا زال جبلاً ثابتاً على دينه .. يناجي ربه ويقبل عليه .. يذكره ويمشي إليه .. حتى مات على ذلك رضي الله عنه ..
* * * * * * * * * * * *
ولا يزال الله تعالى يقبل إلى عباده أكثر مما يقبلون عليه .. يفرح بتوبتهم .. وهو الغني عنهم .. ويحلم بهم وهو القادر عليهم ..
يكررون العصيان .. ويكرر التوبة ..
يعرضون عنه فيناديهم من بعيد .. ويقبلون عليه فيفرح بهم من قريب ..
يغفر لهم ما مضى .. ويستر الفحشا ..
وانظر إلى ذلك الرجل الذي امتلأ قلبه تعظيماً لربه .. ورغبة في قربه .. أقبل يوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
يا رسول الله .. أحدنا يذنب ..
فقال صلى الله عليه وسلم : يكتب عليه ..
فارتعد الرجل وقال : ثم يستغفر منه ويتوب ..
فقال صلى الله عليه وسلم : يغفر له ويتاب عليه ..
قال : يا رسول الله فيعود فيذنب ..
فقال صلى الله عليه وسلم : فيكتب عليه ..
فقال الرجل مبادراً : ثم يستغفر منه ويتوب ..
فقال صلى الله عليه وسلم : يغفر له ويتاب عليه ..
فوقف الرجل ينظر متعجباً .. وكأنه يقول : إلى متى !! نذنب ونستغفر !! ونذنب ونستغفر !! والله يحلم ولا يعجل ..
فقال صلى الله عليه وسلم : ولا يمل الله حتى تملوا ..
فهو الغني عن عباده .. القادر عليهم .. ومع ذلك يرأف بمخطئهم .. ويتجاوز عن عاصيهم ..
إن مشوا إليه فرح بهم فأتاهم هرولة ..
حلمه يسبق غضبه .. لا يقنطهم من رحمته .. ولا يرضى أن يطرقوا باباً غير بابه ..
* * * * * * * * * * * *
روى مسلم ..
أن رجلاً من العرب اسمه ضماد الأزدي كان يتعاطى الطب والعلاج .. وكان يرقي الناس من المس والجن ويعالج من الجنون ..
فقدم ضماد يوماً إلى مكة .. فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون :
ذهب المجنون .. جاء المجنون .. رأيت المجنون .. فسألهم من المجنون ؟
فقالوا له : رجل اسمه محمد .. مجنون ..
فقال ضماد بكل شفقة : فأين هذا الرجل .. لعل الله أن يشفيه على يدي ..
فدله بعضهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فلما رآه ضماد فإذا أنوار النبوة تشع من وجهه الشريف .. وإذا الإيمان قد غطاه بسكينته .. والله قد زينه بخشيته .. وعليه جلالة الهدى .. ونور التقى ..
فأقبل ضماد حتى جلس بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام ..
ثم قال : إني أرقي من هذه الرياح والأمراض .. وإن الله يشفي على يدي من شاء .. فهلم فلأعالجك ..
فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره إليه ثم قال بكل ثقة : إن الحمد لله .. نحمده ونستعينه .. من يهده الله فلا مضل له .. ومن يضلل فلا هادي له .. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..
فانتفض ضماد .. وقال : أعد علي كلماتك هؤلاء ..
فأعادها عليه صلى الله عليه وسلم قائلاً : إن الحمد لله .. نحمده ونستعينه .. من يهده الله فلا مضل له .. ومن يضلل فلا هادي له .. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..
فانتفض ضماد أخرى .. وتغير وجهه .. وأمطرت عليه سحب المهابة .. وجعل يتتبع ريقَه في فمه .. وينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ويقول : أعدها علي .. أعدها علي ..
فعجب صلى الله عليه وسلم .. وأعادهن عليه صلى الله عليه وسلم ..
فقال ضماد : والله لقد سمعت قول الكهنة .. وقول السحرة .. وقول الشعراء ..
فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات .. والله لقد بلغن قاموس البحر .. يعني أصل البحر ..
ثم أقبل ضماد على هذا الرب الذي يحمد ويستعان .. ويستغفر ويتاب إليه .. الذي يهدي من يشاء .. ويضل من يشاء ..
ومد يده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وقال هلم يدك أبايعك على الإسلام ..
فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
ثم قال له عليه الصلاة والسلام : وعلى قومك .. أي تبايعني أن تدعو قومك أيضاً إلى الإسلام ..
قال ضماد : نعم .. وعلى قومي ..
ومضى إلى قومه داعياً متعبداً .. ولا زال على ذلك .. حتى مضى إلى ربه ماشياً إليه .. منطرحاً بين يديه .. راغباً فيما عنده .. واثقاً بصدق وعده ..
* * * * * * * * * * * *
لما انتهت غزوة الخندق وكفى الله المؤمنين القتال وهزم الكافرين ..
انصرفت جموع الكافرين إلى مكة ..
فجعل عقلاؤهم يتفكرون فيما هم عليه من الهزائم المتتابعة ..
قال عمرو بن العاص :
لما انصرفنا يوم الأحزاب عن الخندق ..
جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني ..
فقلت لهم : تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علواً منكراً وإني لقد رأيت أمراً فما ترون فيه ..
قالوا : وما رأيت ؟
قال : رأيت أن نلحق بالنجاشي في الحبشة فنكون عنده .. فإن ظهر محمد على قومنا .. كنا عند النجاشي .. فإنا إن نكن تحت ملك النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت ملك محمد ..
وإن ظهر قومنا .. عدنا إلى مكة .. ونحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير ..
قالوا : إن هذا لرأي ..
قلت : فاجمعوا لنا ما هدايا نتقرب بها إلى النجاشي .. فجمعنا هدايا كثيرة ..
خرج عمرو مع أصحابه إلى الحبشة .. وكان بينها وبين مكة البحر .. وكان في الحبشة ايضاً بعض المسلمين الذي هاجروا إليها تخلصاً من أذى قريش لهم ..
وصل عمرو وأصحابه إلى قصر النجاشي .. معهم هداياهم .. وجلسوا ينتظرون الإذن بدخولهم عليه ..
فبينما هم كذلك .. إذ مر بهم داخلاً على النجاشي رجل جاء من المدينة .. هو عمرو بن أمية الضمري .. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إلى النجاشي .. لأجل المسلمين الذين في الحبشة ..
فدخل إلى النجاشي وبلغه رسالة النبي عليه الصلاة والسلام .. ثم خرج ..
فلما رآه عمرو التفت إلى أصحابه وقال : هذا عمرو بن أمية .. لو قد دخلت على النجاشي فسألته أن يمكنني منه فأذن لي .. فضربت عنقه .. فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أحسنت إليها حين قتلت رسول محمد إلى ملك الحبشة .. وكان عمرو صديقاً للنجاشي مقرباً عنده ..
قال عمرو : فدخلت عليه .. فسجدت له كما كنت أصنع ..
فقال : مرحبا بصديقي .. هل أهديت لي من بلادك شيئا ..
قلت : نعم أيها الملك قد أهديت لك أدُماً كثيراً – يعني جلوداً –
قال : ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه ..
ثم قلت له : أيها الملك .. إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك وهو رسول رجل عدوٍ لنا .. فأعطنيه لأقتله .. فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا ..
فتغير النجاشي .. وغضب .. ثم رفع يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره .. فلو انشقت الأرض لي لدخلت فيها فرقا وفزعاً ..
وجعلت أهدئه وأقول : أيها الملك .. والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتك إياه ..
فقال : أتسألني أن أعطيك رسولَ رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى .. فتقتله ..
قلت : أيها الملك .. أكذاك هو ؟!
فجعل النجاشي ينظر إلى عمرو .. فإذا هو قد كبرت سنه وهو يعبد أحجاراً وأشجاراً .. ثم قال له بلسان الداعية الموفق .. الذي يبحث عن الفرص ليرد العبيد إلى معبودهم ..
قال : ويحك يا عمرو .. أطعني واتبعه .. فإنه والله لعلى الحق .. وليظهرن على من خالفه .. كما ظهر موسى بن عمران على فرعون وجنوده ..
فسكت عمرو .. وجعل يتفكر في حاله ..
هذا الرب العظيم .. لماذا أعصيه .. ماذا فعل لي لأقابله بذلك .. أليس قد خلق فسوى .. وقدر فهدى .. وأخرج المرعى .. عجباً !! كيف لا أجيب النداء .. " يا أيها الناس اعبدوا ربكم " .. عجباً!! ما أحلمه .. أعبد غيره .. وهو يرزقني ويعافيني .. ويسترني ويحلم عليَّ ..
جعل عمرو يفكر والنجاشي ينظر إليه .. بعينين مشفقتين ..
ثم بادره النجاشي قائلاً : يا عمرو أفتبايعني له على الإسلام ..
قال عمرو : نعم .. ثم بسط عمرو يده وبايع على الإسلام .. والكفر بعبادة الأصنام ..
ثم خرج إلى أصحابه .. وقال : لا مقام لكم في الحبشة ..
وكتم إسلامه عنهم ..
وركبوا البحر قافلين إلى مكة .. فلما وصلها .. هيأ راحلته .. وجمع زاده عليها ومضى إلى المدينة ..
فلما دخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. دنا ليعلن إسلامه .. فابتهج النبي عليه الصلاة والسلام لرؤيته .. قال عمرو : فقلت يا رسول الله إني أبايعك على الإسلام .. على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي .. فقال صلى الله عليه وسلم : يا عمرو .. بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله .. وإن الهجرة تجب ما كان قبلها ..
فبايع عمرو على الإسلام وصار بعدها من أحب الناس وأقربهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
* * * * * * * * * * * *
وانظر كيف إذا أقبل العباد إلى الله .. كيف يقبل إليهم عند حاجاتهم .. فيكشف عنهم الكربات .. ويستجيب الدعوات ..
تعرفوا إليه فعرفهم .. وأطاعوه فأحبهم .. ووقفوا على بابه فقربهم ..
لم يعرضوا عنه يوماً لما سمعوا للصلاة النداء .. ولم يهتكوا الستر بينهم وبينه بالوقوع في فحشاء .. ولم يدنسوا أسماعهم بغنا .. ولا أموالهم بربا ..
تملك حب الله قلوبهم حتى ذلوا لعظمته .. وبكوا من خشيته .. لم يرهم يوماً في مرقص ولا بار .. ولا على فراش بغي ولا في بيت خمار ..
وإنما رأى جباههم على الأرض ساجدة .. وأعينهم عن الحرام غاضة .. وألسنتهم عن القبائح ساكتة ..
فتعرفوا إليه في الرخاء فعرفهم في الشدة ..
دعوه فاستجاب .. واستغفروه فغفر وتاب .. لأنهم كانوا يقبلون إليه وقت رخائهم .. فأقبل إليهم في شدائدهم .. فكشفها عنهم ..
وامض معي في ركب الأنبياء لترى أثر تعبدهم لله ظاهراً ..
نوح عليه السلام يدعو قومه مئات السنين .. فيعرضون .. فيدعو الله في شدة الهم والغم :
"ونوحاً إذ نادى من قبل " ..
فما النتيجة ؟ قال الله :" فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سَوء فأغرقناهم أجمعين " ..
وأيوب عليه السلام يدعو في شدة المرض والضرّ ..
"وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " ..
فما النتيجة ؟ قال الله :" فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضُر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين " ..
ويونس يدعو في شدة الكرب والضيق ..
"وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " فما النتيجة .. في بطن الحوت وفي ظلمات ثلاث ..
قال الله :" فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " ..
وزكريا يدعو في شدة العُقم :" وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين " ..
يدعو .. وقد بلغ من الكبر عتياً .. شاب رأسه .. واحدودب ظهره .. وضعف جسده ..
وهو عقيم لا يولد له ..
فما هو الجواب .. قال الله : " فاستجبنا له ووهبنا له يحي وأصلحنا له زوجه " ..
عجباً !!
كيف استجاب الله لهم ..؟!
ماذا فعلوا ؟ كيف كانت علاقتهم بربهم ؟
قد ذكر الله لنا السبب بعدما ذكر قصص هؤلاء الأنبياء الأطهار .. فقال : إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ " ..
نعم قدموا أعمالاً صالحة في الرخاء فنفعتهم في الشدة ..
* * * * * * * * * * * *
ومن أقبل على الله شكى إليه بثه وحزنه .. ولم يشغل الخلق بكثرة الشكوى إليهم .. وإنما يشتكي إلى الخالق جل جلاله ..
كان رجل في الكوفة يكثر التشكي للناس .. ولا يكاد يخفي مصابه عن أحد .. والناس لا يغنون عنه شيئاً ..
فرآه شريح القاضي يوماً فناداه .. فلما وقف معه خالياً ..
قال له شريح : يا أخي إياك والشكوى إلى غير الله .. فإن من تشكو إليه لا يخلو أن يكون صديقاً أو عدواً ..
فأما الصديق فيحزن عليك .. وأما العدو فيشمت بك ..
ثم قال : انظر إلى عيني هذه .. - وأشار إلى إحدى عينيه – فوالله ما أبصرت بها شخصاً ولا طريقاً منذ خمس عشرة سنة ..
ووالله ما أخبرت بذلك أحداً إلا أنت في هذه الساعة ..
فاجعل الله مشكاك ومحزنك في كل نائبة .. فإنه أكرم مسئول وأقرب مدعو ..
ثم قال : أما سمعت قول العبد الصالح " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله " ..
ومن نظر في أحوال المحبين وجد أنهم يعيشون أعزة .. لا يذلون إلا لسيدهم جل جلاله ..
كان الإمام أبو الحسين بن سمعون من كبار العلماء ..
وكان ربما وعظ الناس في المسجد ..
فغضب عليه الخليفة عضد الدولة يوماً فارسل في طلبه ..
فذهب الحاجب ليدعوه .. وجعل أثناء الطريق يخوفه من غضب الخليفة ..
ويقول له : إذا دخلت على الخليفة ، فقبل التراب بين يديه ، وتواضع في الخطاب والجواب .
حتى وصلا دار الخلافة ..
فلما علم الخليفة بوصوله قام إلى حجرة وحده لئلا يسمع الناس ما يدور بينه وبين ابن سمعون ..
أوقف ابن سمعون خارج الحجرة .. ودخل الحاجب قبله ليستأذن له على الخليفة ..
فلم ينتظر ابن سمعون وإنما دخل وراء الحاجب مباشرة ..
فإذا الخليفة جالس وحده ..
فلما رآه الخليفة .. فإذا رجل مستنير الوجه .. واثق بما يدعو إليه ..
يحمل في صدره ديناً .. يحيا لأجله .. ويموت لأجله ..
جعل الخليفة ينظر إلى ابن سمعون ..
فبادره ابن سمعون مسلماً .. ثم التفت بوجهه نحو دار الخليفة عز الدولة الذي تولى قبل عضد الدولة ثم قرأ " وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ " ..
ثم استدار نحو الخليفة وقرأ " ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ "
ثم وعظ الخليفة وخوفه من الله .. وذكره بالجنة والنار .. ولقاء الله ..
حتى بكى الخليفة بكاء كثيرا ..
فانتهى ابن سمعون من موعظته ودعا له .. وخرج ..
فلما أبعد ظن الخليفة أنه وعظ وذكر ليشتهر بين الناس ..
فقال للحاجب : اذهب فخذ ثلاثة آلاف درهم وعشرة أثواب وادفعها إليه لنفسه فإن أبى فقل : هي نفقة لأهلك .. فإن أبى فقل : أنفقها على أصحابك ..
فإن قبلها فجئني برأسه ..
قال الحاجب فمضيت إلى الخزينة وحملت المال والأثواب ..
ولحقته به حتى أدركته .. فقلت : هذه أثواب أرسل بها إليك الخليفة ..
فقال : لا حاجة لي بها ، هذه ثيابي منذ سنين .. إذا خرجت إلى الناس لبستها .. فإذا رجعت طويتها ..
قلت : فهذه ثلاثة آلاف درهم .. نفقة لك ..
فقال : لا حاجة لي فيها .. لي دار آكل من أجرتها تركها لي أبي فأنا في غنية عنها ..
فقلت : فرقها في فقراء أهلك ..
فقلت فرقها على أصحابك ..
فدعا وقال : لا حاجة لهم فيها ..
قال الحاجب : فرجعت إلى الخليفة فأخبرته ..
فسكت ساعة ثم قال : الحمد لله الذي سلمه منا .. وسلمنا منه ..
فمن منا بينه وبين ربه من حسن المعاملة .. وحلاوة الطاعة .. وجلالة التعظيم ..
ومهابة الخوف .. ما يجعله معروفاً عند ربه .. يستجيب دعاءه إذا دعاه .. ويلبي نداءه إذا ناداه ..
* * * * * * * * * * * *
وحتى تعلم كيف تتقرب إلى الله ليقربك ..
انظر كيف وصف الله تعالى عبده المحبوب إليه ..
قال صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى قال :
من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ..
وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ..
ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ..
فإذا أحببته .. كنت سمعه الذي يسمع به .. وبصره الذي يبصر به ..
ويده التي يبطش بها .. ورجله التي يمشي بها .. ولئن سألني لأعطينه ..
ولئن استعاذني لأعيذنه "..
* * * * * * * * * * * *
الإمام عبيد الله القواريري ..
لم تكن صلاة العشاء تفوتني في جماعة فنزل بي ضيف فشغلت به ففاتتني الصلاة في مسجدي فذهبت لأدركها في مسجد آخر فإذا هم قد خرجوا من الصلاة فتتبعت مساجد البصرة فلم أدركها معهم ..
فرجعت منكسراً .. أجر خطاي .. وأتفكر في الأجر الذي فاتني بفوات الجماعة ..
فقلت في نفسي قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بإحدى وعشرين درجة " ثم قلت .. وورد بخمس وعشرين درجة .. وروي بسبع وعشرين درجة ..
فلما وصلت إلى بيتي يممت القبلة وصليت العشاء سبعاً وعشرين مرة .. الأولى فريضة والبقية نافلة ..
ثم رقدت متعباً ..
فرأيت في منامي كأني راكب فرساً .. وحولي رجال قد ركبوا أفراساً ..
ونحن نتسابق وهم يسلبقوني .. فجعلت أضرب فرسي لتسبق .. وهي تتأخر ..
فالتفت إليَّ أحدهم وقال : لا تجهد فرسك .. فلست تدركنا ..
قلت : ولم ذاك ؟ قال : لأننا صلينا العشاء في جماعة ..
* * * * * * * * * * * *
كان عبد الرحمن بن مهدي من كبار الصالحين .. ممن يتقربون إلى الله بشتى أنواع القربات ..
يتقربون إليه شبراً وذراعاً .. يأتونه يمشون ويهرولون .. يطلبون محبته .. ويرجون رحمته ..
قال ابنه يحي : صلى أبي ليلة في الليل حتى تعب .. فألقى بنفسه على الفراش .. فلم يستيقظ إلا بعدما طلعت الشمس ..
ففزع .. واضطرب .. كيف تفوته الصلاة ..
ومر عليه بعدها شهران كاملان .. ينام على الأرض من دون فراش خوفاً من تضييع الفجر ..
وقال ابن المديني .. بعدما مات عبد الرحمن بن مهدي وكان رجلاً صالحاً ..
دخلت بيته .. فدخلت موضع صلاته بالليل .. فنظرت .. إلى الجدار .. فإذا فيه بقعة سوداء .. فسألت أهله : ما هذا ؟
فقالوا : هذا موضع جبهة الشيخ !! قلت : كيف ؟
قالوا : كان يصلي الليل .. فإذا تعب أسند رأسه إلى الجدار وجعل يسبح ويستغفر ..
* * * * * * * * * * * *
وكلما كان لربه أقرب .. صار الله إليه أقرب .. نعم .. من أتاني يمشي أتيته هرولة ..
فإذا أحب الله العبد .. كان معه في المصائب .. واستجاب له في الرغائب ..
بل حماه وأرسل عليه حافظين .. فلا يتسلط عليه حاقد .. أو يكيد له كائد ..
وانتقل معي إن شئت إلى المدينة .. وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جلس في مجلسه المبارك .. بعدما انتشر الدين .. ووُحِّد رب العالمين ..
جعل رؤساء القبائل يأتون إليه مذعنين مؤمنين .. ومنهم من كانوا يأتون صاغرين حاقدين ..
وفي يوم أقبل رئيس من رؤساء العرب .. له في قومه ملك ومنعه ..
أقبل عامر بن الطفيل .. وكان قومه يقولون له لما رأوا انتشار الإسلام : يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم .. وكان متكبراً كتغطرساً ..
فكان يقول لهم : والله لقد كنت أقسمت ألا أموت حتى تملِّكني العرب عليهم وتتبعَ عقبي .. فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش !!
ثم لما رأى تمكن الإسلام .. وانصياع الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. ركب ناقته مع بعض أصحابه ومضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
دخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه الكرام ..
فلما وقف بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام قال : يا محمد خالني .. أي قف معي على انفراد ..
وكان صلى الله عليه وسلم حذراً من أمثال هؤلاء .. فقال : لا والله حتى تؤمن بالله وحده ..
فقال : يا محمد خالني ..
فأبى النبي صلى الله عليه وسلم .. فلا زال يكرر .. يا محمد قم معي أكلمْك .. يا محمد قم معي أكلمْك ..
حتى قام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فاجتر عامر إليه أحد أصحابه اسمه إربد .. وقال : إني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاضربه بالسيف .. فجعل إربد يده على سيفه واستعد ..
فانفرد الاثنان إلى الجدار .. ووقف معهما رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم عامراً .. وقبض أربد بيده على السيف .. فكلما أراد أن يسله يبست يده .. فلم يستطع سل السيف ..
وجعل عامر يشاغل رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وينظر إلى إربد .. وإربد جامد لا يتحرك ..
فالتفت صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع ..
فقال : يا عامر بن الطفيل .. أسلم ..
فقال عامر : يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت ؟
فقال صلى الله عليه وسلم لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ..
قال عامر : أتجعل لي الملك من بعدك إن أسلمت ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : ليس ذلك لك ولا لقومك ..
فقال : أسلم على أن لي الوبر ولك المدر .. أي أكون ملكاً على البادية وأنت على الحاضرة ..
فقال صلى الله عليه وسلم : لا ..
عندها غضب عامر وتغير وجهه .. وصاح بأعلى صوته : والله يا محمد .. لأملأنها عليك خيلا جردا .. ورجالا مرداً .. ولأربطن بكل نخلة فرساً .. ولأغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء ..
ثم خرج يزبد ويرعد .. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره إلى السماء وقال : اللهم اكفني عامراً واهد قومه ..
فخرج مع أصحابه حتى إذا فارق المدينة .. تعب من المسير .. فصادف امرأة من قومه يقال لها سلولية وكانت في خيمة لها .. فنزل عن فرسه ونام في بيتها ..
فاخذته غدة وانتفاخ في حلقه كما يظهر في أعناق الإبل فيقتلُها .. ففزع واضطرب ..
ووثب على فرسه .. وأخذ رمحه .. وأقبل يجول .. ويصيح من شدة الألم .. ويتحسس عنقه بيده ويقول : غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ..
فلم تزل تلك حاله يدور به فرسه .. حتى سقط عن فرسه ميتا ..
فتركه أصحابه .. ورجعوا إلى قومهم ..
فلما دخلوا ديارهم .. أقبل الناس إلى إربد يسألونه : ما وراءك يا أربد ؟
قال : لا شيء .. والله لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء .. لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله ..
فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له ليبيعه .. فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما ..
وأنزل الله عز وجل في حال عامر وأربد : " اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ *
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ *
سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ *
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ *
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ *
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ *
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ " ..

mas15 : اضيفت بواسطة
1 صوت

: 31-08-2013

: 4083

طباعة


 
 
جديد المقالات
 
نهاية حياتك - ناصر الاحمد
فتيات الفردوس - مشعل العتيبي
ستندم - مشعل العتيبي
دعاء المظلومين - ناصر الاحمد